أئمتهم - قال : وكل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم ، فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له ، ومن لم يأمر منهم بالشرك فلم ينه عنه ، بل يقرّ هؤلاء وهؤلاء وإن رجّح الموحّدين ترجيحا ما ، فقد يرجّح غيره المشركين ، وقد يعرض عن الأمرين جميعا .
فتدبّر هذا فإنه نافع جدا . ولهذا كان رؤوسهم المتقدمون والمتأخرون يأمرون بالشرك ، وكذلك الذين كانوا في ملّة الإسلام لا ينهون عن الشرك ويوجبون التوحيد ، بل يسوّغون الشرك ، أو يأمرون به ، أو لا يوجبون التوحيد . وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة الملائكة وعبادة الأنفس المفارقة أنفس الأنبياء وغيرهم - ما هو أصل الشرك . وهم إذا ادّعوا التوحيد فإنما توحيدهم بالقول ، لا بالعبادة والعمل . والتوحيد الذي جاءت به الرسل لا بدّ فيه من التوحيد بإخلاص الدين للّه ، وعبادته وحده لا شريك له ؛ وهذا شئ لا يعرفونه ، فلو كانوا موحدين بالقول والكلام لكان معهم التوحيد دون العمل ، وذلك لا يكفى في السعادة والنجاة ، بل لا بدّ أن يعبد اللّه ويتخذه إلها دون ما سواه ، وهو معنى قوله « لا إله إلا اللّه » .
انتهى كلام الشيخ .
فتأمل رحمك اللّه هذا الكلام ، فإنه مثل ما قال الشيخ فيه « نافع جدا » ومن أكبر ما فيه من الفوائد أنه يبين لك حال من أقرّ بهذا الدين وشهد أنه الحق وأن الشرك هو الباطل ، وقال بلسانه ما أريد منه ، ولكنه لا يدين بذلك : إمّا بغضا له أو عدم محبة - كما هو حال المنافقين الذين هم بين أظهرنا ، وإمّا إيثارا لدنيا مثل تجارة وغيرها ، فيدخلون في الإسلام ثم يخرجون منه ، كما قال اللّه تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا
الآية ، وقال :
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
،