صلى اللّه عليه وسلم : إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحّم عليهم ، ونسأل اللّه لهم العافية والمغفرة . فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة ، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد ؛ فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه ، ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى تنقص الأموات . وهم تنقّصوا الخالق بالشرك ، وأولياءه الموحّدين بذمّهم ومعاداتهم ، وتنقّصوا من أشركوا به غاية التنقّص إذ ظنّوا أنهم راضون منهم بهذا ، وأنهم آمروهم به . وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان ، وما أكثر المستجيبين لهم ، وللّه درّ خليله إبراهيم حيث يقول :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ
وما نجا من شرك هذا الشّرك الأكبر إلا من جرّد توحيده للّه ، وعادى المشركين في اللّه ، وتقرّب بمقتهم إلى اللّه .
انتهى كلامه .
والمراد من هذا أن بعض الملحدين نسب إلى الشيخ أن هذا شرك أصغر ، وشبهته أنه ذكره في الفصل الثاني الذي ذكر في أوله الأصغر . وأنت رحمك اللّه تجد الكلام من أوله إلى آخره - في الفصل الأول والثاني - صريحا لا يحتمل التأويل من وجوه كثيرة : أنّ دعاء الموتى ، والنذر لهم ، ليشفعوا له عند اللّه هو الشرك الأكبر ، الذي بعث عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم فكفّر من لم يتب منه ، وقاتله وعاداه . وآخر ما صرّح به قوله آنفا : وما نجا من شرك هذا الشّرك الأكبر إلا من عادى المشركين . . إلى آخره .
فتأمل أن الإسلام لا يصح إلا بمعاداة أهل هذا الشرك ، فإن لم يعادهم فهو منهم ، وإن لم يفعله . وقد ذكر في « الإقناع » عن الشيخ تقى الدين أنّ من دعا علىّ بن أبي طالب فهو كافر ، ومن شكّ في كفره فهو كافر . فإذا كان هذا حال من شكّ في كفره - مع عداوته له ومقته له - فكيف بمن يعتقد أنه مسلم