وقوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ
.
فإذا قال هؤلاء بألسنتهم : نشهد أن هذا دين اللّه ورسوله ، ونشهد أن المخالف له باطل ، وأنه الشرك باللّه - غرّ هذا الكلام ضعيف البصيرة وأعظم من هذا وأطمّ أن أهل « حريملا » ومن وراءهم يصرّحون بمسبّة الدين ، وأن الحق ما عليه أكثر الناس ، ويستدلّون بالكثرة على حسن ما هم عليه من الدين ، ويفعلون ويقولون ما هو من أكبر الرّدّة وأفحشها . فإذا قالوا :
التوحيد حقّ ، والشرك باطل ؛ وأيضا لم يحدثوا في بلدهم أوثانا - جادل الملحد عنهم وقال : إنهم يقرّون أن هذا شرك ، وأن التوحيد هو الحق . ولا يضرّهم عنده ما هم عليه من السبّ لدين اللّه ، وبغى العوج له ، ومدح الشرك ، وذبّهم دونه بالمال واليد واللسان . واللّه المستعان .
وقال أبو العباس أيضا في الكلام على كفر مانع الزكاة : والصحابة لا يقولون : هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها ؟ هذا لم يعهد عن الخلفاء والصحابة ، بل قال الصّدّيق لعمر رضى اللّه عنهما : واللّه لو منعوني عناقا « 1 » كانوا يؤدّونها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقاتلتهم على منعها . فجعل المبيح للقتال مجرّد المنع ، لا جحد الوجوب ؛ وقد روى أن طوائف كانوا يقرّون بالوجوب لكن بخلوا بها ؛ ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعهم سيرة واحدة وهي : قتل مقاتلتهم ، وسبي ذراريّهم ، وغنيمة أموالهم ، والشهادة على قتلاهم بالنار ، وسمّوهم جميعهم أهل الرّدّة . وكان من أعظم فضائل الصّدّيق عندهم أن ثبّته اللّه عند قتالهم ، ولم يتوقّف كما توقف غيره ، فناظرهم حتى رجعوا إلى قوله .
هامش
( 1 ) العناق : الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة .