من دون اللّه ندّا يحبّه كما يحبّ اللّه ، بل أكثرهم يحبّون آلهتهم أعظم من محبتهم للّه ، ويغضبون لمتنقّص معبودهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد ربّ العالمين ؛ وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا جهرة . وترى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسانه إن قام وإن قعد ، وإن عثر وإن استوحش ، لا ينكر ذلك ويزعم أنه باب حاجته إلى اللّه ، وشفيعه عنده . وهكذا كان عبّاد الأصنام سواء .
وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم ، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر وغيرهم اتخذوها من البشر ، قال اللّه تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ
. فهذا حال من اتخذ من دونه وليّا يزعم أنه يقرّبه إلى اللّه تعالى ، وما أعزّ من تخلّص من هذا ، بل ما أعزّ من لا يعادى من أنكره . والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وأسلافهم أن آلهتهم تشفع لهم عند اللّه ؛ وهذا عين الشرك ؛ وقد أنكر اللّه ذلك عليهم في كتابه ، وأبطله ، وأخبر أن الشفاعة كلها له .
ثم ذكر الشيخ رحمه اللّه فصلا طويلا في تقرير هذا الشرك الأكبر ، ولكن تأمّل قوله : « وما أعز من تخلص من هذا بل ما أعز من لا يعادى من أنكره » تبيّن لك بطلان الشبهة التي أدلى بها الملحدون ، وزعم أن كلام الشيخ في هذا الفصل - أعنى الفصل الأول - في الشرك الأكبر على الآية التي في سورة سبأ
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
، وتكلم عليها ، ثم قال :
والقرآن مملوء من أمثالها ، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته ، ويظّنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثا . وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن ، كما قال عمر بن الخطاب : إنما تنقض عرى الإسلام عروة