وفي الجنّة واحد من كل ألف . ولما بكوا من هذا لما سمعوه ، قال صلى اللّه عليه وسلم :
إنها لم تكن نبوّة قط إلا كان بين يديها جاهلية ، فيؤخذ العدد من الجاهلية ، فإن تمّت ، وإلا أكملت من المنافقين » . قال الترمذي : حسن صحيح .
فإذا تأمل الإنسان ما في هذا الحديث من صفة بدء الإسلام ، ومن اتّبع الرسول صلى اللّه عليه وسلم إذ ذاك ، ثم ضمّ إليه الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم أيضا ، أنه قال صلى اللّه عليه وسلم : « بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ » تبيّن له الأمر ، إن هداه اللّه وانزاحت عنه الحجة الفرعونية :
فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى
، والحجة القرشية :
ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ
وقال أبو العباس رحمه اللّه تعالى في « اقتضاء الصراط المستقيم » « 1 » في الكلام على قوله تعالى
وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
: وأيضا فإن قوله
وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
ظاهره : أنه ما ذبح لغير اللّه ، سواء لفظ به أو لم يلفظ . وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم ، وقال فيه : باسم المسيح ، ونحوه . كما أن ما ذبحناه متقرّبين به إلى اللّه كان أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه : بسم اللّه ، فإن عبادة اللّه بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور ، والعبادة لغير اللّه أعظم كفرا من الاستعانة بغير اللّه . فلو ذبح لغير اللّه متقربا إليه لحرم وإن قال فيه باسم اللّه كما يفعله طائفة من منافقى هذه الأمة ، وإن كان هؤلاء مرتدّين لا تباح ذبيحتهم بحال ، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان . ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن .
انتهى كلام الشيخ .
وهو الذي ينسب إليه بعض أعداء الدين أنه لا يكفّر المعيّن . فانظر رحمك اللّه إلى تكفيره من ذبح لغير اللّه من هذه الأمة ، وتصريحه أن المنافق يصير مرتدّا بذلك . وهذا في المعين ، إذ لا يتصوّر أن تحرم إلا ذبيحة معين .
هامش
( 1 ) ابن تيمية ، اقتضاء الصراط المستقيم ( الطبعة الثانية 1950 ) ص : 259 وانظر ما سلف ص : 404 .