تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ نجد ( روضة الأفكار والأفهام ) — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
وعلم ما عنده لما في قلبه من محبة الدين والخير . وهذا فسّر به قوله تعالى :
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ
أي : حرصا على تعلّم الدين ؛ لأسمعهم أي : أفهمهم . فهذا يدل على أن عدم الفهم في أكثر الناس اليوم عدل منه سبحانه لما يعلم ما في قلوبهم من عدم الحرص على الدين . فتبيّن أن من أعظم الأسباب الموجبة لكون الإنسان من شرّ الدواب هو عدم الحرص على التعلم . وإذا كان هذا الجاهل يطلب هذا الطلب ، فما عذر من ادّعى اتّباع الأنبياء ، وبلغه عنهم ما بلغه ، وعنده من يعرض عليه التعليم ، ولا يرفع بذلك رأسا ؟ فإن حضر أو استمع فكما قال تعالى :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ
. وفيه من العبر أيضا : أنه لما قال : أرسلني اللّه . قال : بأي شئ أرسلك ؟ قال : بكذا وكذا . فتبيّن أن زبدة الرسالة الإلهية والدعوة النبوية هي : توحيد اللّه ، بعبادته وحده لا شريك له ، وكسر الأوثان . ومعلوم أن كسرها لا يستقيم إلا بشدّة العداوة وتجريد السيف فتأمل زبدة الرسالة . وفيه أيضا : أنه فهم المراد من التوحيد ، وفهم أنه أمر كبير غريب . ولأجل هذا قال : من معك على هذا ؟ قال : حرّ وعبد . فأجابه أن جميع العلماء والملوك والعامة مخالفون له ، ولم يتبعه على ذلك إلا من ذكر . فهذا أوضح دليل على أن الحق قد يكون أقلّ القليل ، وأن الباطل قد يملأ الأرض . وللّه درّ الفضيل ابن عياض « 1 » رحمه اللّه حيث يقول : لا تستوحش من الحق لقلة السالكين ، ولا تغترّ بالباطل لكثرة الهالكين . وأحسن منه قوله تعالى :
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
. وفي الصحيحين « إنّ بعث النّار من كل ألف تسعة وتسعون وتسعمائة ،
هامش
( 1 ) ترجمته وتخريجها في « طبقات الصوفية » ص : 6 - 14 .