هؤلاء الاشراف توارثوا الحكم من أجدادهم في وضع مرتبك لا تنظمه قاعدة مسنونة ولا يقيده عهد شامل مكتوب ولا يستقيم الامر لحكومة ملكية على وجه الأرض ما لم تنظم لولاية العهد فيها قواعد ثابتة لا يشوبها خلل ولا يتخللها ارتباك والا كانت تلك الشوائب مدعاة للاضطراب والفتن وإثارة الحروب .
ولسنا في حاجة إلى التدليل على هذا فان تاريخ الحروب الأهلية في كافة الأمم على وجه الأرض يدلنا بأفصح بيان على أن معظم وقائعها الصاخبة كانت تدور حول محور واحد هو الخلاف على وراثة العهد وذهاب كل من المتطاحنين إلى الدعوى بأحقيته دون غيره في الولاية واصراره على نيل هذا الحق مهما كلفه الثمن من دماء وأموال وليس من يشك في أن ولاية العهد لو نظمت في جميع تلك الحكومات تنظيما دقيقا وافيا لاستغنى العالم عن ثلاثة أرباع الحروب العظيمة في التاريخ .
وفي هذا ما يؤيد نظريتنا في أن الانسان في كل أزمنة التاريخ - بل وبصرف النظر عن جميع الاعتبارات - هو الانسان المجبول على الطمع والأنانية وحب الاستئثار لا يستثنى من ذلك الا نبي معصوم أو شخص موهوب ، وهما أقلية في التاريخ نادرة .
بذلك وجد الاشراف أنفسهم قد احيطوا بملابسات قاسية فهذا يرى أحقيته في الامارة بحكم وراثته وذلك يدعيها لأن والد مناوئه كان مغتصبا قبل اليوم فما يمنعه ان يسترد ما غصبه جيل سابق حتى إذا حكم السيف لأحدهما قام من أعقاب المغلوب من يرى أن الدين لا يضيع ما قام له مطالب ! فيندفع إلى الفتنة أو يقوم غيره ليحيى ذكر جد من الأسرة مدعيا بأنه الوريث الشرعي له دون غيره وهكذا يتعدد الحق بتعدد وجهات النظر فتبدأ المشادة وتتطور إلى عناد فتغلي الدماء فوارة محمومة فيطيش العقل فلا يبصر أمامه الا هدفه المنشود ، وإذا استثير العناد واستعرت فورة الدماء اندفع الانسان في غياهب الحياة إلى أوخم العواقب .
تاريخ مكة — صفحة 455
مساهمون: أحمد السباعي
ص٤٥٥