الذنب في رأي كان ذنب أصحاب البلاد الذين ساعدوا بتخاذلهم وتأخرهم على اغراء العثمانيين بامتلاكهم فبعد ان كانت علاقة أجدادهم السياسية لا تتعدى الدعاء وتأييد الامارة وحماية الثغر في جدة استطاعوا بسبب تنافسهم على مقعد الحكم ان يمهدوا لصديقهم القوي طريق التدخل في مقدرات بلادهم إلى آخر بند فيها .
على انني لا أريد ان ابعد في هذا اللوم كثيرا لان فلسفة الذنوب والجرائم لا تقرني على ارتجال الاحكام دون ان اتدبر ما يحيطها من ظروف وأمعن فيما يلابسها من مهيآت .
فأصحاب مكة الذين أعنيهم وهم امراؤها من الاشراف قضوا حياتهم فيها متنابذين متناجزين لا يكاد يغمد سيف من سيوفهم حتى تشرع في وجه صاحبه سيوف ولا يكاد يظفر بالغلبة بينهم ثائر حتى يناجزه ثوار جدد يثيرونها عليه حربا عوانا .
هؤلاء الاشراف هل كانوا مذنبين ؟
الواقع انهم كانوا كذلك ولم يكونوا . كانوا مذنبين بتعسفهم في فهم الحقائق وتعصبهم لما يرونه حقا وافراط كل فريق منهم في التعصب إلى حد العناد الذي يؤدي إلى تقطيع الارحام وامتشاق السيوف وإثارة الحروب .
ولقد قاست مكة في سبيل عنادهم هذا الويلات والشدائد والموت والجوع ما يعجز الوصف عنه ويكل القلم ، طول أحقاب عديدة كما قاسوا هم أنفسهم من جرائه ما يعز معه الصبر .
وأمعن بعضهم في العناد حتى سام اخوانه من العذاب ما لا يطاق وأباح لأنصاره في غامد وزهران أن يهتكوا اعراض مناوئيه في البلاد وفعل غيره أبشع من ذلك .
كل هذه الويلات يعتبرها العرف ذنوبا الا أن الفلسفة لا تلبث ان تتشبث بالظروف الملابسة لتتعرف مدى ما تنطق به .
تاريخ مكة — صفحة 454
مساهمون: أحمد السباعي
ص٤٥٤