تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ مكة — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
أما أصحاب الشخصيات القوية من الاشراف فكانوا يتجاهلون سلطته كما يتجاهلون في بعض الأحيان أوامر الخلافة العثمانية نفسها . وكانت واردات البلاد من الحجاج والمكوس من نصيب الامراء في مكة يستولون عليها ويجعلون بعضها سهاما توزع على أقرباء بيت الامارة وقد ظل ذلك شأنهم في سنوات طويلة من أوائل الفتح العثماني إلى أن استطاع قانصوه الوالي التركي في جدة ان يستغل ضعف الأمير مسعود في مكة عام 1040 كما تقدم بنا وان يضع يده على جميع الواردات ليضمها إلى خزانة الدولة العثمانية . ولم يدم ذلك طويلا لأننا نجد الشريف زيدا رأس الامراء من ذوي زيد ما لبث ان تولى الحكم ونشط للمطالبة بالواردات ومع هذا لم يظفر الا ما يعادل نصفها وبقي النصف الآخر تتسلمه خزائن العثمانيين التي استحدثت في جدة لقاء عناية العثمانيين بشؤون الحج وعمارة الحرمين . وقد حاول بعد ذلك الوالي العثماني في عهد مسعود بن سعيد ان يماطل في استحقاقه من واردات جدة فمضى مسعود بجيشه إلى جدة فاحتلها وطرد الوالي التركي ثم كتب بذلك إلى الخلافة فأرسلت واليا غيره وأمرته بصرف استحقاق الأمير . وباستحداث الخزانة التركية في جدة واستحواذها على نصيبها من الواردات في عام 1040 وما بعدها اخذ الحكم العثماني يوطد لنفسه في مكة أكثر مما كان وشرع يزداد عدد الموظفين الذين يتولون مناصب المال ثم شؤون البريد ونظارة السوق واعمال الأوقاف وغيرها وما وافى العهد العثماني الأول على نهايته حوالي عام 1217 حتى كانت مكة قد ألحقت نهائيا بالعجلة التركية وأصبحت ولاية تابعة لها في جميع مرافقها السياسية والاجتماعية . ولا أجرأ على لوم العثمانيين فيما فعلوا فالناس في كل زمان هم الناس في آمالهم الطامحة وأنانيتهم الجامحة وغرامهم بالاستئثار فأي لوم يستحقه العثمانيون إذا فعلوا في سبيل مصالحهم ما فعله ويفعله كل قوي أقلته الأرض .
تاريخ مكة — صفحة 453 | أحمد السباعي