ولا نشك في أن اليمنيين كانوا يتيهون على القيسيين بأصولهم فقد كانوا في أحد أدوار التاريخ سادة الجزيرة العربية وكان الخزاعيون حكام مكة قبل قريش من اليمن كما كان الأوس والخزرج في المدينة يمنيين مثلهم كما لا نشك أن القيسيين وهم سلالة الفاتحين في صدر الإسلام يتيهون على اليمنين بأنهم هداة البلاد فكان لهذه المفاخرة أثرها في التحيز للعصبية التي نهى عنها الاسلام .
ولقد مر بالاسلام عهد نسي فيه المتعصبون هذا التحيز ولكنه ما لبث أن أثير على أثر الفتن التي نشبت بسبب الخلاف على اختيار الخليفة وما لبث بعض الخلفاء من بني أمية أن استغلوا هذه الإثارة لتأييد مراكزهم فهم رغم نسبهم إلى القيسية كان يحلو لبعضهم أن يصاهر اليمنية ليعتد بها إذا ناوأه بعض القيسية خصوصا في الأوقات التي اشتد فيها ميل القيسية إلى البيت الهاشمي فلا غرابة إذا تفاقم التعصب واشتد أواره .
ولا غرابة أن نجد في الشام يوم حركة ابن الزبير من يدعو له وينادي بخلافته كما نجد فيها من يدافع بسلاحه ضدها لصالح الأمويين .
لم تكن هناك زبيرية وأموية بقدر ما كانت هناك قيسية تتمنى أن تنجح قبائل الحجاز ويمنية تتمنى فشل القيسيين ولو ضد مصلحة الأمويين أصهارهم .
لقد شعر معاوية أن في الشام احتكاك بين القيسية واليمنية فدارى ذلك في سياسة عديمة النظير وجاء اليزيد بعده فلم تعجزه المداراة ولكنه ما أن قضى حتى عادوا إلى الاحتكاك واستطاع مروان بن الحكم أن يستفيد من احتكاكهم وأن يستعين بسيوف اليمنيين وهم كثرة هائلة على القيسيين الذين أرادوها ربحا للحجاز في شخص ابن الزبير « 1 » .
هامش
( 1 ) راجع تاريخ دمشق لابن عساكر 319 فما بعدها وتاريخ اليعقوبي 2 / 299 والكامل لابن الأثير 3 / 258 .