كانوا عند رباط المعين كلهم يحكم ويفصل الخصومة ، إلا أن الحكم كان له إذا حكم عليه القاضي من آل سنان أو يقول : ارفعني إلى الفقيه فيرفعه ولا يراجعه ، وكان الفقيه على يصلح ويسدد من غير أن يتطلع لشيء بخلاف القضاة يومئذ ، ثم لم يزل أمرهم يتقاصر ، وعددهم يقل ، حتى مات كبارهم .
ثم إن الفقيه الهوريني كفّ بصره في أثناء تلك السنة بسبب ماء نزل في عينيه ، فسافر إلى مصر مع الحاج ليقدح عينيه ويعود إلى المدينة ، واستمريت نائبا عنه في سنة سبع وأربعين وشدّدت على الإمامية في نكاح المتعة ونكلت بفاعلها ، وحملت الناس على مذهب مالك ، وأخملت البدعة وأظهرت السنّة ، وعزرت من تكلم في الصحابة رضي اللّه عنهم ، فلم يزد الناس إلا طاعة وإقبالا .
وفي تلك السنة لقيني عز الدين حسن المسكي وزير الأمير طفيل ، وكان من الوزراء العقلاء ، فقال لي : يا فلان خرج اليوم ملك من يد صاحبه يساوي عشرة آلاف ، بشهادة فلان وفلان ، واللّه هذان ما يقبلان فيما يساوي عشرة دراهم ، وكيف يحل لكم أن تبقي المدينة بلا شهود ؟ ، فأمرته أن يأمر غلام الأمير فينادي في الأسواق : لا يضع أحدكم خطه في ورقة إلا أن يكون مرضيّا عند الحكام .
ولما وصل القاضي تقي الدين إلى مصر ، أقام بها يعالج عينيه بالقدح ، فسعى عليه بدر الدين حسن صهر القاضي شرف الدين الأميوطي فعزلوا القاضي تقي الدين ، وكان يحب الإقامة بالمدينة ؛ رغبة في الوفاة بها ، فلم ترجع
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة ) — صفحة 269
مساهمون: علي عمر
ص٢٦٩