وسددت الأحكام ، وجريت على الصلح بين الخصوم ، فمال إليّ أهل للمدينة ، ورأوا أني لا آخذ منهم شيئا في حكم ولا إثبات ، ولا وراقة ، بل ربما أعطي من عندي من أتحقق ضرورته من الغرماء ، فأحبني أهل البلد ومالوا عن قضاة الإمامية واعتزلوهم « 1 » وتركوا المحاكمة عندهم ، حتى إنّ القاضي حسن بن سنان الملقب عزيز « 2 » صار يجلس على باب زقاقنا فإذا رأى الخصمين دعاهما إليه فلا يلتفتان إليه ؛ لأنهم كانوا إذا حكموا ألحقوا المحكوم له رسولا ، أو ورقة يطلبون منه شيئا ، وإن كتبوا ورقة طلبوا عليها أجرا ، ويقبلون من الشهود من كان من رعاع الناس .
وبلغني أنهم اجتمعوا بالأمير طفيل وشكوا عليه ما يلقون مني ، فقال لهم إذا سكت عنكم وعن أحكامكم فلا تطلبوا منه غير ذلك .
وقال لي القاضي نجم الدين مهنا بن سنان - وكان أعلمهم وأرأسهم :
قطعت رزقنا يا فلان ، فقلت له : ما تريدون مني إذا لم أتعرض لكم ؟ فقال :
واللّه ما قطع رزقي إلا أنت صرت تكتب للناس بلا شيء ، فمن بقي يأتي إلينا ، وكان مهنا بن سنان كاتب المدينة .
ولم أزل معهم كذلك حتى خمل ذكرهم ، وماتوا أحياء ، ولم يبق لهم في البلد أمر ولا نهي إلا في الشيء التافه والأمر النادر .
ولقد أدركت من حكامهم فوق عشرة من آل سنان ومن الصّفيان الذين
هامش
( 1 ) أورده السخاوي بنصه نقلا عن ابن فرحون .
( 2 ) تحرف في المطبوع إلى : ( عزير ) وصوابه من الأصل .