تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة ) — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
قال لي أخي علىّ رحمه اللّه : قطعت هذه البلاد شرقا وغربا لم أر أحدا يتكلم على الحديث مثله ، كان كريما جوادا ، حسن المحاضرة ، لين العريكة حتى ينحرف فكأنه غير الذي تعرف ، ولما قدم المدينة عرض على القاضي يعقوب بن جمال النيابة عنه في الأحكام فامتنع ، فنزل له عن تدريس المدرسة الشهابية فقبلها ، واستمر مدرسا للشافعية محببا إلى الناس . وكان في القاضي شرف الدين شدة على الأشراف ، وكان له هيبة عظيمة ساقهم المرّ ، وأذاقهم الصّبر ، وأما سطوته على الإمامية وتوبيخه لهم في المحافل وسبهم على المنبر فأمر مشهور لا يحتاج إلى وصف ، ولا تكاد السنين تبيد ذكره « 1 » . وكان إذا قام في الأمر لا يرجع عنه ولو خوّف في عاقبته ، وكان متمسكا بالسّنّة يتبع أشدّها ، ويحمل نفسه على أشقّها ، رأيته في يوم صائف محرما متجردا راكبا على حمار لم يزل عليه حتى كمل حجّه ، ورجع إلى المدينة ليس له مركب غيره ، ورأيته وقد أكلته الشمس ، وتقشر جلده ، ودمي وجهه ، فعرضت عليه الركوب في الشقدف « 2 » فلم يفعل . وكان قد أراد أن يسوي الحفرة التي في محراب النبي صلى اللّه عليه وسلم ببناء أو خشب « 3 » فلم يوافق على ذلك ، فترك الصلاة في المحراب وصلى عن يسار المحراب قريبا من الشباك ، واستمر على ذلك حتى مات رحمه اللّه ، وقد تقدم
هامش
( 1 ) التحفة 1 / 54 . ( 2 ) الشقدف : ما يوضع على الجمل يجلس فيه الراكب . ( 3 ) في المطبوع : ( ببنيان أو أخشاب ) .