السنجاري بوكالة على تسلّم الكتب وبيعها فبيعت ، وملأت المدينة حتى صار في كلّ بيت منها جانب من علوم لا يعرفها أحد من أهل هذا الزمان ، ولا يفهمها إلا من عالج أصولها ، وأدرك شيوخها ، ولقد باع بعض الناس منها نحو أربعة عشر مجلدا كل كتاب بدرهم نسخا مليحة صحيحة في فنون قل من يفهمها في المدينة ، توفّي - رحمه اللّه - في سنة إحدى وسبعمائة .
وكان من الأشياخ المباركين ، وأحبابنا السالكين :
[ « 138 » الشيخ أبو البركات أيمن بن محمد السعدي ]
وكتب بخطّه في آخر كتاب : أيمن بن محمد بن محمد ، وعدّد من أجداده أحد عشر نفرا كلهم اسمه محمد ، كان له كلّ يوم وليلة ثلاث ختمات ، وترك أهله وإخوانه في تونس ، وهاجر إلى اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم وكان له ديوان كبير في مدح سيدنا وذخرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » .
قال لي : رأيت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في النوم فأنشدته بعض قصائدي فيه ، فبصق في فيّ وقال لي : « لا فضّ فوك » فلم تسقط له سنّ ، وكان قد جاوز السبعين حين أخبرني بذلك ، ولقد أعطيته يوما خشكنانة « 2 » يابسة قديمة لا تكاد تنكسر إلا بالحجر ، فأخذها وقرضها كأنها قطعة سكّر ، وكان يأخذ الدرهم النحاس فيقطعه بأسنانه نصفين « 3 » ، وكان أعجوبة الزمان ، وطرفة الإخوان من أدب ، وشعر ، وحكايات ، من جلس إليه لا يكاد يحب فراقه ، وكان حسن البديهة
هامش
( 138 ) من مصادر ترجمة : التحفة اللطيفة 1 / 352 ، المغانم المطابة 3 / 1176 .
( 1 ) التحفة اللطيفة 1 / 352 .
( 2 ) الخشكنانة : خبزة تصنع من خالص دقيق الحنطة ، وتملأ بالسكر أو اللوز أو الفستق وتغلى ؛ وتحرف في المطبوع إلى ( خشكانة ) .
( 3 ) التحفة اللطيفة .