تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة ) — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
أسلم في دينه من حالته التي هو عليها والعياذ باللّه ، فندم حيث لا ينفعه الندم . وفي مثل ذلك قيل :
كلّ يحاول حيلة يرجو بها * دفع المضرّة واجتلاب المنفعة والمرء يغلط في تصرف حاله * فلربّما اختار الغنى على الدّعه
ثم إنه حسن حال وعبادته وتبتله ، ورغب فيه جماعة من الخدام وأدخلوه في خدمة الحرم الشريف ، وقدموه عليهم في حفظ حواصلهم وأوقافهم ، ورأس بينهم رئاسة جليلة ودخل في جملة المؤذنين أصحاب المعلوم . فلما كبر وأسن نزل عنه ، ولم يزل بين الخدام معظما محترما مشهورا بعفة اليد واللسان في إقامة طويلة بينهم وكان قد تأثل دنيا ، فكان يرسل ما فضل عنه إلى إخوته في بلادهم غرناطة حتى إنه لما توفّي لم يوجد له ما كان يتهم به من المال ، وأوقف كتبه وجعل مقرها في المدرسة الشهابية ، وأعتق عبيدا وإماء وقدم لنفسه ذخيرة صالحة بعتقه خادمه نجيبا أحد خدام الحرم الشريف اليوم ومن أميزهم عقلا ومعرفة وديانة ، وحصل له به ذكر جميل وخير كثير غير قليل . وكان أبو عبد اللّه مجيدا في صنعة الدهان والتزويق ، فعمل في الحرم الشريف مع الدهّانين وأثّر تأثيرا حسنا ، كان لي منه - رحمه اللّه - نصيب وافر وودّ عظيم ومبادرة لقضاء حوائجي ، وكان يحضر معنا الدرس ويرعانا لما كان بينه وبين والدي - جزاه اللّه خيرا - ولكن توفي - رحمه اللّه - في سنة أربع وخمسين وسبعمائة وله إحدى وثمانون سنة ولم يخلف عقبا . وكان منهم الأخ في اللّه الشيخ :