العلم فيها ، قرأت عليه الفرائض والحساب ، وكان يؤثرني ويدعو لي ، ومالت نفسه إلى الزواج وأحب أن يكون على السنة في التزويج ، فخطب له أصحابه امرأة حسنة وسيمة ، فلما دخل عليها قبل اجتماعه بها نظر إليها فوجدها موشومة الشفة فأقام ليلته ، ثم خرج ولم يمسها ودفع لها صداقها كاملا وطلقها ، ثم لم يتزوج حتى توفّي .
أقام بالمدينة مدة طويلة ، ثم انتقل إلى مكة فأقام بها مثلها على عبادة وكثرة طواف حتى إنه كاد لا يوجد إلا فيه .
قال لي الشيخ العالم الحافظ المحدث أبو عبد اللّه الوادي آشي : إنه سأله ، فقال له : يا سيدي هل وقفت في مدة إقامتك بمكة على مغربة أو كرامة أعدها عنك أو أرويها لمن بعدك ؟ فقال لي : وما تحت ذلك من طائل ؟ فألححت عليه ، فقال لي : كنت ليلة أطوف بالبيت وحدي فيما ظهر لي ، فرأيت عن يميني وعن شمالي رجالا يطوفون معي رؤوسهم مشرفة على البيت .
واجتمعت به عام ثمانية عشر وسبعمائة بمكة ، فوجدته قد ضعف واشتد عليه السعال ، وانتفعت بمجالسته ، وأفادني بوعظه وبحكمته وبعلم استبد به ، ثم قال لي : ما أظنه إلا حضر أجلي وأحب أن تكون وفاتي بالمدينة في جوار سيدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقلت له : اعمل على ذلك ، فأوصاني أن أشترى له من الدقيق وغيره ما يكفيه لسنته ، وكان ذلك في شهر رمضان ، وكان يبيت عند بيت الفقيه خليل المالكي ، فطاف يوما ثم خرج من المطاف ودخل دهليز الفقيه خليل عند باب إبراهيم ، ثم دعا بفراش واستقبل القبلة ثم قضى أجلا ، ومضى عجلا - رحمه اللّه - ، وذلك في السنة المذكورة ، فلم أر جنازة كثر تابعها رجالا ونساء ، وكبارا وصغارا مثل جنازته - رحمه اللّه - .
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة ) — صفحة 142
مساهمون: علي عمر
ص١٤٢