جلست إليه يوما بعد أن صليت ركعتين وكان قد أظلنا مجيء الحاج فكانت صلاتي كلها وسوسة بما يجيء به الحاج وما يكون من وظائفي وما يجيء منها وغير ذلك .
فقال لي عقيب فراغي : يا فقيه ما أقل أدب العبد مع اللّه تعالى خلقه وأوجده وتكفل برزقه وجعل الرزق يجري مع الحاجة لا يتعداها ، ولم يرد منه إلا الإخلاص والتوكل والعبادة وقد جرب العبد وعده تعالى فوجده صحيحا لا يختل معه ، ورزقه يأتيه كل حين وكل يوم وكل ساعة حسب ما يقدره اللّه تعالى ، ثم إنه سبحانه أمر بصلاة وزكاة وصيام ووقّت له من ذلك وقتا ، وأمره بأن لا يتعداه بتقديم ولا تأخير ففعل العبد ذلك ، وقدر له رزقا ووقته عنده بوقت معلوم ، ثم إن العبد يسيء إلى ربه بأن يتهمه فيما وعده به ، فيقول : يا ترى يجيئني شيء من هذه السنة أم لا ؟ وإن جاء فهل يجيء كاملا أو ينقطع بعضه ؟
ومن هذه الأشياء التي هي إلى الشرك أقرب ، أليس هذا من قلة الأدب ؟
فعلمت أنه إنما أرادني بهذا الكلام فاستغفرت اللّه العظيم ، ورجعت فنلت بذلك خيرا كثيرا ، وله كرامات لا يسع ذكرها ههنا .
ولما كان في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة قدمت قافلة مكة ومعهم القاضي شهاب الدين ومطلقته وولداه ، فطلع بها شهاب الدين إلى الأمير ودي بن جماز صاحب المدينة وكلمه في شأن زوجته وأولاده وأخذ خطه بأن يعقد لهم مجلس شرعي ، وكان ذلك في أول نهار الأربعاء خامس شهر محرم من السنة المذكورة ، فمرض في أواخر ذلك النهار ، ولم يزل مريضا إلى أن توفّي بعد العصر يوم الأحد سادس عشر المحرم ، ودفن بعد المغرب بالبقيع قريبا من مالك بن أنس مما يلي الطريق - رحمه اللّه - .
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة ) — صفحة 137
مساهمون: علي عمر
ص١٣٧