زائرا وأراد أن يقيم بها ؛ ليذللها ويهذبها بالغربة والبعد عن أهلها .
فقال له أهلها : لا يمكن ذلك وشدّدوا في رجوعها معهم . فقال على طريق التغليظ عليهم والتشديد وإقامة العذر : أنا قد حلفت بالطلاق الثلاث أن لا يكون لها معكم سفر في هذا الوقت . ولم تكن له نية وإنما أراد التهويل عليهم ، فعزموا عليه والتزموا بالرجوع إلى ما كان عليه .
فسافروا معهم وقرروا عليه يمينه ، وأخذوه بظاهر لفظه فطلقوها منه ، فاشتد عليه الأمر وعظم عليه ما وقع منه وفيه ، ولم يجد من يساعده على ما نواه إذ أسرته البينة .
فلما رأى أنها بلية لا يمكن زوالها رجع إلى المدينة المشرفة ، وأقام بها وكان يصلي إلى جنبي الصلوات ، فأرى منه من التوجع والالتهاب والشوق ما لم أره من أحد فكنت أعذره في الباطن وأهون عليه الأمر في الظاهر ، فيقول : وويل للشجيّ من الخليّ .
ثم إنه لم يجد ما يغيظهم به إلا أخذ أولاده منهم ، فأخذهم منهم بالشرع فأقاما معه وهما صغيران فتعب وتعبا ، فيسّر اللّه تعالى من أخذهم منه خلسة ، وحملهم إلى مكة عند أمهم وخالهم القاضي شهاب الدين فربوهما أحسن تربية فجاء منهما ما تقدم ذكره ، ولما علم الفقيه خليل - رحمه اللّه - أن في فراقها له شبهة تورع عن زواجها وتركها فلم يزل كذلك حتى توفي شهاب الدين النويري بالمدينة حينئذ تزوجها وماتت عنده رحم اللّه الجميع ، وكان الشيخ شهاب الدين من بيت الكرامات والمكاشفات لهم حكايات ومقامات مشيدات .
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة ) — صفحة 136
مساهمون: علي عمر
ص١٣٦