تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
قال : فأخذت الرغيف فأكلته فوقع في فمي شيء أخرجته فوجدته دينارا مغربيّا ، فأخذته وذهبت به في الوقت إلى السوق وأخذت به طعاما وتقوّتّ « 1 » به أياما ، ثم عدت إلى ما كنت فيه من الفاقة ، فعاد إليّ ذلك الرجل ورمى في حجري رغيفا وذهب في الغلس ، فلم أعرفه ، فوجدته مثل الرغيف الأول ، فاشتريت طعاما وبقيت متعجبا من ذلك الرجل ، فعند فراغ ما عندي جاء في الثالثة فرمى آخر على غفلة منّي فتعجبت من هذا الرجل الذي يعرف الوقت الذي أصل فيه إلى الضرورة ولو أنه كان معي في البيت ما كان يصل إلى حقيقة ما وصل إليه هذا الرجل ! ما هذا إلا ملك أو ولي من الأولياء . قلت : واللّه لأراقبنّه حتى أعلم مكانه . قال : فلما فرغ ما بيدي ارتقبت الوقت الذي يجيء فيه ، فإذا هو قد جاء على العادة فحققت النظر حتى عرفته فإذا هو جاري الحطّاب . فقلت : هذا هو الحق ؛ لأنه يعلم من حالي ما لا يعلمه غيره ؛ لأن الباب بالباب . قال : فمالت نفسي إليه ، والقلب يميل إلى من أحسن إليه ، فوانسته فانعطف علي وإن كان كره ظهور إحسانه إليّ ، ثم إني تخيلت منه أنه ينفق من الغيب ، أو معه علم من الصنعة ؛ لأن من ظفر بإحدى الخصلتين زهد في الدنيا ، وطلبها بتعب النفس ليكون ذلك من الشكر للّه تعالى على أن ملكه ما لم يملكه غيره .
هامش
( 1 ) تقوّت بالشيء : أكله .