تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ أرض الإسلام — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
أن الحكم البدوي وضع الأسس الأولى لبعض الدول ، ولم يكتف بالاستحواذ على غنائم جاهزة ومنظمة ؛ فقد كان الأمر كذلك بالنسبة للإمارات التركية بالأناضول وأشهرها تلك التي انبثقت عنها الإمبراطورية العثمانية ؛ وكذلك الشأن بالنسبة للأسرة التي وضعت شيئا فشيئا أسس الدولة الأفغانية منذ نهاية القرن الثامن عشر والتي انبثقت عن قبيلتي دوراني وغيلزاي البدويتين اللتين حققتا وحدة بلاد تتربع على الجزء الأكبر منها جبال يقطنها الفلاحون . وحتى في الحالات التي ينحدر فيها الحكام الجدد ظاهريا من وسط حضري ، كالمتعلمين والفقهاء ، لا يتم لهم ذلك إلا بالاستعانة بجماعات بدوية ، إذ لم يتمكن الصفويون من الانتصار إلا بفضل نجاح الدعوة الشيعية بين القبائل التركمانية في أذربيجان ، رغم أن أصولهم المباشرة يجب البحث عنها في الوسط الحضري بمدينة أردبيل ؛ كما أن انتصار الوهابيين على الأسر الحاكمة الحضرية في الحجاز تحقق بفضل دعم البدو لهم . في مقابل ذلك تحتاج الروح العدوانية البدوية لغطاء ديني يسمح لها بببسط نفوذها ويمكن إمارات الرعاة الهشة من الرقي إلى مستوى الدول المنظمة . فالتخمر الديني ضروري لإيجاد اللحمة بين السادة الجدد القادمين من الصحراء ورعاياهم من الحضر . فمن الوهابيين إلى المرابطين ، ومن الصفويين إلى السنوسيين ، يتشكل أساس الهياكل السياسية البدوية انطلاقا من حركات دينية مذهبية ، متشددة أو مبتدعة ، وقد تبين أيضا أن هذه الظاهرة من العوامل المهمة في نشأة الدولة العثمانية « 1 » . على أي حال فإن هذه الدول البدوية هي تعبير مميز عن أوضاع انتقالية ، فالأمير البدوي يتحضر بمجرد أن يعتلي العرش ، ويستقر بالمدينة ، ويتبنى شيئا فشيئا طريقة تفكير الحضر المحيطين به ؛ ويتم هذا التحول تدريجيا وقد يكون سريعا أو بطيئا حسب الحالات . فطيلة القرن التاسع عشر ،
هامش
( 1 )Pru ? lu ? , 1935 . K
تاريخ أرض الإسلام — صفحة 82 | كزاوييه دو بلانهول / ناصر الدين سعيدوني