نتجت عن الجادة ذات الأقواس ، والقيصرية والفندق عن البازيليك ، والحمام عن الحمامات الرومانية ، والبازار عن أنظمة شرق أوسطية لم يبتكرها الإسلام كما هو الأمر بالنسبة للفصل بين الأحياء ؛ كما كان هذا الدور سلبيا لأنه استبدل تكتلا وتجمعا متضامنا بتركيبة مهلهلة وفوضوية من الأحياء والعناصر المتنافرة . ونتج عن هذا ، على مستوى المعمورة ، بقاء أشكال عمرانية متقادمة عبر منطقة واسعة . ومن الغرابة أن حضارة دين كان مثله الأعلى حضريا انتهى بها الأمر إلى نفي النظام العمراني في حد ذاته .
5 . لم يبتكر الإسلام الجديد فيما يخص التنظيم الاقتصادي والعلاقات بين المدينة والأرياف المحيطة بها . فهو ، كما رأينا سابقا ، لا يهتم إلا قليلا بالأوضاع الزراعية التي كانت تحتل مكانة ثانوية في الحجاز مقابل التجارة الحضرية والبداوة الرعوية ، ورغم ذلك فقد انتشر الإسلام في بلدان غير صحراوية كانت الزراعة تشكل فيها النشاط الرئيسي ، غير أن إهماله للأرض توافق تماما مع البنيات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت قائمة آنذاك . إن هذا التنظيم الذي سبق الإسلام بكثير هو الذي كان يميز الحضارات المدنية الأولى والحضارات الشرقية التي تم تعريفها وتحليلها لحسن الحظ « 1 » تحت تسمية " رأسمالية الريع "
( Re ntenkapitalismus )
، وقد كان هذا النوع من التنظيم موجودا خاصة في الشرق الأوسط . ففي الوسط الطبيعي الشبه الجاف ، يتشبث الفلاحون بأراضيهم المروية التي تشكل وسيلة عيشهم الأساسية ، مما يضعهم تحت رحمة القوى المؤثرة في المدن ، كما أن انتشار الري والأعمال الكبرى المرتبطة به لا يمكن أن تضطلع بها سوى سلطة مهيمنة ومركزية ، دينية أولا ثم استبدادية بعد ذلك « 2 » ، تقوم بتوزيع حق الاستفادة من الأرض أو ملكيتها على أفراد الطبقة البيروقراطية الدينية أو العسكرية التي تسهر على فرض
هامش
( 1 )Bobek , 1959 , p . 279 - 287 .( 2 )Wittfogel , 1957 .