المنازل على حساب الشارع في شكل امتدادات وبناءات بارزة ومشربيات ، في الوقت الذي تكثر فيه الأزقة المغطاة والممرات التي تتخطى الشوارع ؛ في مقابل ذلك تقل الساحات والمجالات الفارغة الغير المستعملة ، مما يصعب عملية التنقل ، فضلا على أن الحضارة الإسلامية لم تهيء شوارع للعربات واكتفت في أحسن الأحوال بشوارع تسمح بتنقل الحيوانات بصعوبة عند التقائها . على عكس قلة الفراغات العمومية المخصصة للتنقل ، تهيمن على المدينة المجالات المخصصة للحياة العائلية . فالمنازل التي تكون منخفضة غالبا ، تحتوي عادة على باحات داخلية تتركز حولها الحياة ، بحيث تترك متاهة وفوضى الشارع لنظام البيت ووحدته .
يمكن تفسير هذا المشهد العمراني على ضوء المبادئ الأساسية للحياة الإسلامية ، ففوضى دقائق المخطط العمراني ليست ظاهرة حتمية ثابتة ، فالمدن الإسلامية تخضع عموما عند إنشائها إلى مخطط تنظيمي ذي شكل شطرنجي متأثر إلى حد ما بالمخططات الهيلينية ، وقد يكون هذا المخطط دائريا حول المركز . إلا أن هذه المخططات سرعان ما تتعرض للتغيير ، فالمدينة الإسلامية تعاني من غياب شبه كلي لأطر التنظيم البلدي ، بينما مدينة العصور القديمة مثلها مثل مدينة العصر الوسيط في الغرب تتميز بروح تضامن قوية ، واعتزاز كبير بالانتماء إليها ، وأشكال توافق وتعاون متينة ، ولا شيء من هذا القبيل في المدينة الإسلامية ، فليس فيها حق امتياز استثنائي أو حق استغلال خاص ، حيث أن ثمن هيمنة المفاهيم الدينية على النظام الاجتماعي هو غياب الاهتمام السياسي بأمور الجماعة « 1 » ، وليس هناك ما يحد من تسلط الأمير .
كما أن المدينة الإسلامية لا تخضع لمسير للأمور البلدية وليس فيها قاض بلدي باستثناء المحتسب الذي لا يتعدى دوره مراقبة الأسواق والاضطلاع بدور الشرطة فيها ، والنتيجة هي أن التجاوزات الفردية سرعان ما تتم بدون
هامش
( 1 )von Grunebaum , 1955 .