داخل بلدان تم إخضاعها وشكلت المدن فيها مراكز دعوة مبكرة وذات فاعلية كبيرة ، ينتشر الإسلام انطلاقا منها في الأرياف المجاورة . هذا وعرف الإسلام انتشارا خارج حدود مجاله الرئيسي في شكل مستوطنات تجارية منتشرة عبر المدن والموانئ ، ففي الوقت الذي لم تتعد فيه الفتوحات البدوية أطراف المنطقة الجافة ، امتد تأثير الانتشار التجاري للإسلام إلى بقاع بعيدة واتخذ طابعا عالميا ، نشأت معه نقاط ارتكاز تترجم تقدم الإسلام بعيدا عن مجاله الرئيسي . وفي مقابل الانتشار المرتبط بالبدو والمعتمد على الأعمال الحربية ومفهوم الجهاد ، كان الانتشار التجاري سلميا بالأساس ، على الأقل في بداياته ، رغم أنه مهد الطريق لتأسيس دول إسلامية . وقد بقيت آلية الانتشار هذه فعالة حتى بعد زوال الشروط السياسية للفتح العسكري ، ولم يستثن تأثيرها بلدانا ذات أغلبية مسيحية ، ولا يزال هذا النوع من الانتشار حيويا حتى اليوم .
3 . على المستوى العالمي يجب الإشارة إلى الاختلال البين للإسلام والذي نتج عن هذه العملية التي لم تمس سوى " جانبا واحدا " " منه .
فالشرخ الديني الواضح الذي حدث في مجال البحر المتوسط حد بشكل كبير من العلاقات البشرية بين الضفتين . وفي وقت مبكر فقدت الحياة الحضرية الإسلامية في هذه المجال من جاذبيتها في وجه التطور السريع للعالم المسيحي ، وتمكنت مقاومة الجماعات الريفية المسيحية من القضاء أو الحد من تأثير المراكز العمرانية الإسلامية التي زرعتها القوى الإسلامية في البلقان وشبه الجزيرة الإيبيرية ، بفضل عملية إعادة فتح مستميتة .
من جانب آخر بدا الإسلام في الواجهتين الإفريقية والآسيوية كأداة سلمية لتنظيم اجتماعي راق . ففي إفريقيا السوداء الغربية كلها ، رفع التجار ، بعد بسط الهيمنة الاستعمارية ، مشعل الدعوة التي وضعت أسسها الدول الإسلامية ، فانتشر الإسلام بفضل الماندي ديالا غربا والهاوسا شرقا ، واستقر من بعدهم المرابطون والمدرسون ، وانتشر عدد لا يحصى من الجماعات
تاريخ أرض الإسلام — صفحة 66
مساهمون: كزاوييه دو بلانهول
ص٦٦