مسؤولية الفرد ، والاستعمال الرشيد للثروات ، والبحث عن الخلاص ، وكانت هذه هي دعوة النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم في فترتها المكية . وقد حل البناء المحمدي معضلة عدم التوافق بين " النزعة الإنسانية " لدى البدو والروح الفردية لدى الحضر ، فالنبي محمد صلى اللّه عليه وسلم اضطلع بدور الحاكم الواضع للنظم الضرورية لأمة المؤمنين . وقد قام رودانسون
( Max . Rodinson )
بتوسيع أفق هذه الآراء « 1 » ، ولكن بنفس المنظور ، فاعتبر أن التعايش بين المدن التجارية والقبائل البدوية في وسط الجزيرة العربية كان يتطلب إقامة دولة موحدة في البلاد ، تجمع بين البدو والحضر ، وتوجه طاقات البدو نحو الخارج . وهذا ما تطلب إيديولوجية قومية تستجيب لمتطلبات الضمير العربي . فالدول الحضرية في جنوب الجزيرة العربية لم تقترح أبدا على البدو مشروعا من هذا القبيل ، مكتفية بإخضاعهم دون أن توفر لهم منفذا ، أما النبي صلى اللّه عليه وسلم فقد اقترح عليهم ، في إطار الدين الجديد ، مكانة تستجيب لأذواقهم وتوفر لهم إمكانية الحصول على غنائم وفيرة . إن هذه الإيديولوجية الفاتحة تبدو وكأنها الأداة الضرورية التي سمحت للحضر بفرض سيطرتهم على البدو ، ومن المحتمل أن قرار مهاجمة الأراضي البيزنطية والفارسية لم يمكن سوى ردا على حركة ردة القبائل التي تبعت وفاة النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم ، التي كانت تعتبر علاقتها مع النبي صلى اللّه عليه وسلم علاقة شخصية . وقد انتبه أبو بكر وعمر إلى أن أفضل وسيلة للحفاظ على ولاء البدو تكمن في توجيههم نحو الفتح خارج الجزيرة العربية .
4 . يمكن قبول هذا التفسير قبولا تاما ، إلا أنه يجب تكميله بدراسة مقارنة وتحليل جغرافي لم تشرع فيهما مدرسة " علم الاجتماع " حتى الآن .
والسؤال المطروح هو : من أين يستمد الإسلام تفرده ؟ لماذا لم يتحقق هذا الالتقاء الرائع بين مجموعات بشرية من الحضر والبدو لا تبدو مستعدة للتوافق فيما بينها ، إلا في هذه البقعة من المجال الشاسع لبراري وصحاري
هامش
( 1 )Rodinson , 1957 .