تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ أرض الإسلام — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
الرعي للزراعة في فصل نمو النباتات ، غير أن هذه المناطق في الغالب صحار من نوع " غوبي " لا تصلح للزراعة ، التي لا تكون ممكنة بواسطة الري عند منافذ الجبال بالقرب من مسالك البدو وتحت سطوتهم ، حيث تنزل القطعان من مجالاتها الشتوية للرعي ولا تستثني في ذلك قطع الأراضي المروية الصغيرة وذات المواقع المكشوفة . بالعكس من ذلك يعرف جنوب غرب آسيا الوسطى شتاء ألطف وصيفا أجف أقرب إلى النمط المتوسطي ، بحيث لا تتطابق مراعي البدو الصيفية ، الذين يضطرون للصعود إلى الجبال والولوج إلى دواخلها ، مع مجال الزراعة المعتمدة على مياه الأمطار والذي تتميز به المناطق المشابهة للبراري . وبهذا الوضع تتمتع واحات السفوح باستقلالية أكبر تجاه البدو الذين يدفعهم لطف المناخ والرطوبة النسبية إلى التفرق بحثا عن المراعي التي تنشأ بعد نزول الأمطار ، مما سمح للحياة الزراعية المستقرة أن تتطور على نطاق أوسع « 1 » . هذا ويمكن تطبيق هذه الآلية بالتحديد على الجزيرة العربية ، مع فرق يتمثل في أن البدو لا يبحثون عن مراعيهم الصيفية في الجبال وإنما في الهضاب الشمالية المحاذية للهلال الخصيب ، فكانت النتيجة تقسيما مماثلا ، سمح للحياة الحضرية بواحات الحجاز أن تحافظ على استقلاليتها . وعلى العكس من أعالي آسيا الممطرة صيفا والتي رسخت فيها الطبيعة تفوق البدو ، من جهة ، والصحراء حيث صعوبة ممارسة التجارة الكبيرة ومردودها المحدود نسبيا الذي لم يسمح بتشكل مدن مهمة ، من جهة أخرى ، يتضح أن الشرق الأوسط الشامي - العربي المنتمي لمنطقة الصحاري الحارة ذات الأمطار الشتوية ، هيأة ضيق المجال الصحراوي وموقعه المناسب لحركة القوافل ، لأن يكون " مكانا " مميزا لازدهار المدن التجارية المؤهلة للاضطلاع بدور ريادي . فلا يمكن تصور وجود جنكيز خان في الجزيرة العربية كما لا يمكن تصور ظهور النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم في الهضبة المنغولية .
هامش
( 1 )Rakitnikov , 1960 .