تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ أرض الإسلام — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
الأمر بالغزوات الكبرى التي عرفتها القرون الأولى بعد الميلاد . لم تخف هذه الميزة الرئيسية للإسلام عن التحليل الاجتماعي الذي اهتم مؤخرا بأصوله . فشلهود
( J . Chelhod )
سبق له أن اقترح « 1 » تفسيرا اجتماعيا لأصول الإسلام يرى أنه تعبير عن عملية تفريق تتدرج " من الفرد إلى الشخص ومن المقدس إلى الله " ، وأن الأطوار المتوالية لهذه العملية حددها الظرف السياسي والاقتصادي لتلك الفترة ، إذ يتبع طور البداوة انتشار المقدس و " ظهور المدينة " وتقديس الأسرة وعلمنة السلطة . فهيمنة القرشيين أدت إلى تأسيس " دين قومي " بمكة ، سرعان ما تبين عجزه عن تلبية تطلعات الأشخاص في المجتمع المكي المادي والمركنتيلي ، مما ساعد على التحول في البداية إلى دين توحيدي على النمط اليهودي - المسيحي ، ثم إلى نجاح الدعوة القرآنية . إن هذا البناء المهم يعبر عن تفرد الوسط المكي ومتطلباته الروحية . على أن ما يؤخذ على هذا التفسير هي تلك الأهمية التي يوليها ل " أطوار " متتابعة ، بينما المدينة وإيديولوجيتها سابقة للبداوة في الصحراء ، رغم حالات تحول البدو إلى حياة الاستقرار . وفي إطار تصور تركيبي أكثر منه تطوري ، يرجع الفضل لوات
( W . M . Watt )
« 2 » في اقتراح تفسير للإسلام كرد فعل ديني على وضع اجتماعي " شامل " يجمع بين عناصر تعيش تناقضا لا يمكن إلا للدين الجديد أن يحله . لقد كان المثل الأعلى الأخلاقي لبدو الصحراء يقوم على " المروءة " وهي مفهوم معقد يؤسس روح الشرف على التضامن القبلي ، أما في المدن القائمة على التجارة وتجهيز القوافل ، كما هو حال مكة ، حيث ينمو اقتصاد مركنتيلي تزداد فيه عزلة الفرد ويرتبط مصيره بالمصلحة الشخصية ، فإن الوضع الاجتماعي كان مؤهلا لتقبل دعوة تقوم على
هامش
( 1 )Chelhod , 1958 .وقبله أنظر :Wolf , 1951 .( 2 )Watt , 1953 ; 1956 ; 1961 .