البدو تكمن في امتلاكهم دينا راقيا يعلمهم الاتحاد والتحكم في النفس ؛ فالعرب لا يمكنهم الوصول إلى الملك إلا إذا ما تشربوا بالدين عن طريق النبوة أو الولاية أو غيرها من الظواهر الدينية « 1 » . ومن بين كل البدو الفاتحين تمتع العرب دون غيرهم بهذه الميزة . من هذا المنظور ، يبدو أن المنعطف التاريخي للإسلام كان غزوة حنين التي وقعت في 31 يناير 630 وشهدت انتصار المسلمين على حلف قبلي بقيادة هوازن ، وقد نتج عنها الانضواء النهائي للبدو تحت راية الحضر المؤمنين والمتعلمين .
إن السبب الرئيسي لتفوق المدن يمكن البحث عنه داخل المدن ذاتها ، وقد رأينا سابقا أن الجزيرة العربية قبل الإسلام تميزت بالثروة المعتبرة لمدن الحجاز والظرف السياسي والتجاري الذي كانت تعكسه هذه الثروة . وإذا ما تجاوزنا هذا التفسير الأولي ، يتوجب علينا الوقوف على الظاهرة الأساسية المتمثلة في وجود مدن في الصحراء ، وهي ظاهرة ليست ضرورة في حد ذاتها ، فالمدينة تعني إقامة علاقات بعيدة المدى تشكل مصدر ثروتها ، وكذلك قاعدة زراعية قريبة منها توفر لها مستلزمات العيش ، وتضمن ديمومتها في حالة تراجع عائدات التجارة . وفي عدد من الصحاري لا يمكن التوفيق بين الحياة الحضرية ووجود البدو ، وقد بين راكيتنيكوف
( A . N . Rakitnikov )
أن الزراعة الغير المروية تكاد تنعدم في آسيا المنغولية العليا ومنطقة التيان شان ، حيث الشتاء القاسي والصيف الممطر ، ففي المناطق الجبلية التي قد تصلح للزراعة القائمة على ماء المطر ، يوافق فصل نمو النباتات المواتي للزراعة الفصل الذي يحتاج فيه البدو إلى هذه الأعالي لرعي قطعانهم ، فأجهض البدو بذلك أي تطور ممكن للزراعة وما قد ينتج عنها من حياة الاستقرار والمدينة ، فهذه الحياة لا يمكنها أن تتطور إلا بتخصيص قطع من الأرض للزراعة في المناطق المخصصة للرعي خلال الفصل البارد ، حيث لا يخشى من منافسة
هامش
( 1 )Trad . Rosenthal , I , p . 305 .