العالم القديم ؟ لقد رأينا فيما سبق أن التطور السياسي " الطبيعي " في منطقة تماس بين البدو والحضر يتميز بصراع شبه دائم وقطيعة دورية ، على أن لا شيء من هذا القبيل حدث في الإسلام . ففي مقابل النظرية " الدورية " التي وضعها لا تيمور
( Lattimore )
لآسيا الوسطى توجد هنا استمرارية في الحركة ووحدة ظاهرة . وهناك سؤال ثان يرتبط بالسؤال الأول : لماذا تحقق هذا التحالف لصالح الحضر وليس لصالح البدو الذين كانوا يتفوقون بعددهم وقدرتهم على الحركة وقوتهم العسكرية ؟ لنتخيل ماذا كان سيحدث ، وليس هذا الخيال مستحيلا ، لو أن الإسلام قاده ابن خيمة كبيرة وليس رجل ينتمي للبرجوازية المكية . لم يكن النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم جنكيز خان ، ولا يجب أن ننسى هذه الحقيقة عندما نقيم المصير الذي آلت إليه دعوته . وقد ركز ساوندرز
( Saunders )
« 1 » هنا على السبب الرئيسي لنجاح الإسلام مقارنة بالإخفاق النسبي للفاتحين المغول ، فالبدوي لا يكون فعالا كمؤسس إمبراطورية إلا إذا توفر لديه محرك أسمى تجسده إيديولوجية دينية قوية . هذا ولم تكن مؤشرات هذا النداء الروحي غائبة تماما لدى المغول ، الذين عرفوا دعوة عالمية سياسية ودينية حقيقية ، تحت حماية الإله السماوي الأكبر ، واتجهت هذه الدعوة نحو الهيمنة العالمية « 2 » ؛ إلا أن نفس الكاتب ذهب إلى « 3 » أن البدو لم يتمكنوا قط من تأسيس نظام سياسي قابل للبقاء إلا إذا ما احتكوا بمجتمعات متحضرة وتمكنوا من تشغيل الآليات التقليدية لإدارة البلدان التي فتحوها ؛ والمغول ، البعيدين أكثر من العرب عن مراكز الحضارة ، كانت تتجاذبهم العديد من الثقافات الراقية وكانوا يفتقدون لأداة توحيد استثنائية كتلك التي توفرت للعرب والمتمثلة في لغة ارتقت بفضل وظيفتها الدينية ، ولذلك آل أمر المغول إلى الذوبان في البلاد التي فتحوها . وانتبه ابن خلدون إلى أن قوة
هامش
( 1 )Saunders , 1965 .( 2 )Turan , 1955 .( 3 )Saunders , 1965 .