تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ أرض الإسلام — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
بتفصيل وبين صواب التصورات المقدسة المستمدة من الروحانية البدوية التي التصقت بالدين الجدي في مظهره « 1 » ، ورغم جهده المعتبر فإن هذا الكاتب يخطئ عندما يقلل من الدور المتميز للحضر « 2 » ، إذ يؤكد على " التنازلات " لصالح البداوة ، ويقول بجهل أصحاب " النظرية الحضرية " التي قام عليها الدين الإسلامي للواقع البدوي . هذا ولا يوجد تناقض جذري بين نمطي العيش الحضري والبدوي ، وإنما الفرق يمكن في سلم القيم الخاصة بهما « 3 » . يكمن تفرد الإسلام الناشئ ، في واقع الأمر ، في التحالف والالتقاء بين الحضر والبدو ، وهو قاعدة مشتركة تطبع التاريخ الإسلامي كله ، وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الأزمة الإسلامية والموجات الكبرى الأخرى التي انطلقت من براري وصحاري العالم القديم . ورغم أن بدو الغزوات الكبرى التركية - المغولية في العصور الوسطى انتهى بهم الأمر إلى الاندماج في محيط المجتمعات الحضرية والمدنية التي استعملت هؤلاء الرعاة المحاربين للمناورة فإن هذه الحركة تبقى بدوية في جوهرها . ويتضح هذا الأمر أكثر إذا ما تعلق
هامش
( 1 )Chelhod , 1964 .( 2 ) إذا كان يقر بالدور المتميز ضمنيا للحضر في كل الديانات الكبرى ( ص . 23 ) ، فإن هذا الدور واضح في الإسلام حتى وإن لم يكن ذلك حالة استثنائية . ( 3 ) نورد هنا الفقرة النقدية لشلهود ( 1964 ، ص . 30 - 31 ) كاملة لنبين الخلط الذي وقع فيه هذا الكاتب الذي قدم عملا أصيلا وإن كان أحادي الاتجاه : " الغريب أن من يقولون بأن الإسلام ديني حضري " يحتاج إلى المدينة لتحقيق مبتغاه الاجتماعي والديني "( X . ) ( Planhol , Le monde islamique , p . 9 )، هم أنفسهم الذين يؤكدون رغم ذلك " أن حدود مجاله تتطابق مع حدود البداوة الرعوية أو على الأقل مع المناطق التي عرفت تأثير البدو السياسي( Ibid , p . 126 )" ، متجاهلين التناقض بين نمط العيش الحضري الذي يعتبرونه شرطا من شروط الحياة الإسلامية الحقيقية وبين نمط العيش البدوي التائه الذي يحتقر العمل اليدوي والزراعة ويفضل أعمال النهب " . على أننا لا نرى تناقضا بين نمطي العيش هذين ، بل هناك تكامل بينهما لم يلحظه شلهود ، فقد كتبنا في نفس الكتاب " أن الإسلام دين حضر وتجار نشره البدو " ( ص . 129 ) ، ورغم بعض المبالغة في هذه الصورة إلا أن الكاتب لو تنبه لها في خاتمة كتابنا لما وقع في هذا الخطأ ! ( المترجم )
تاريخ أرض الإسلام — صفحة 42 | كزاوييه دو بلانهول / ناصر الدين سعيدوني