الإسلام إلى المدينة ليحقق أهدافه الاجتماعية والدينية ، فتأسيس مدينة من الأعمال الجليلة كما يدل على ذلك عدد الأساطير الدينية المتعلقة بتأسيس المدن ، وهناك العديد من المزايا الروحية المرتبطة بالإقامة في المدينة المنورة حتى أن مغادرتها كانت تستوجب الحصول على ترخيص خاص ، وعلى العكس من ذلك تعتبر الهجرة إلى المدينة من أجل الأعمال .
كما أن صلاة الجماعة هي من أسس الدين الإسلامي ، وأعظم صلاة هي صلاة الجمعة حيث تجتمع الأمة كلها ، وتحتاج هذه الصلاة لمساجد قارة تجمع عددا كبيرا من الناس . والمدينة هي قبل كل شيء مكان الجامع الكبير في مقابل المساجد الصغيرة حيث تقام الصلوات اليومية والتي يكون بناؤها أقل صلابة . وقد دار نقاش بين أهل العلم لإيجاد تحديد دقيق للأماكن التي يمكن أن تقام فيها صلاة الجمعة ، وحصروا ذلك في المدينة ، كما دار جدل حول حجم التجمعات التي تصلح لإقامة هذه الصلاة ، فتسمى تارة مدنا وتارة بنادر وتارة أخرى قرى كبيرة . في كل الأحوال خص الحضر دون غيرهم بهذه الميزة ، فالمسجد يجب أن يكون قارا ومبنيا في كل أجزائه ، حتى أن فقهاء متشددين أبطلوا صلاة الجمعة في مصلى يكون سقفه مفتوحا بسبب تهدمه .
وإذا ما تجاوزنا صلاة الجمعة الكبرى نلاحظ أن الممارسات الإسلامية تتناسب مع حياة الحضر ؛ فهناك المسجد بميضأته التي تتطلب تجهيزا معقدا ، والصلوات الخمس اليومية التي تقام عقب الآذان ، وصوم رمضان ونشاطه الليلي ، كل ذلك يوافق حياة المدن . كما أن الحياة الحضرية الضرورية لإقامة صلاة الجماعة ضرورية كذلك لتوفير العيش الكريم الذي دعا إليه الإسلام ، فالإمام يجب أن يحيا حياة برجوازية ، والنساء يجب أن تتحجبن ، مما يتنافى مع ضرورات نمط العيش البدوي أو الريفي عموما . إن هذا المثل الأعلى الصارم الحذر هو مثل تجار الحجاز القساة ، كما أن الإسلام يفضل لباس المدن على هندام الحقول والصحراء المفتقر لأنه يدعو إلى الاحتشام .
ومن خلال هذه المتطلبات الاجتماعية والمستلزمات الروحية المرتبطة به
تاريخ أرض الإسلام — صفحة 40
مساهمون: كزاوييه دو بلانهول
ص٤٠