تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ أرض الإسلام — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
3 . يمكن أن تفسر الظروف الطبيعية السائدة انحصار التحولات في نقاط معينة ومحدودة . ففي هذه السواحل التي تختبئ خلف الغطاء النباتي الاستوائي الكثيف توجد نقاط مؤهلة أكثر من غيرها بفضل خصائصها البحرية وإمكانياتها في نسج علاقات مع الداخل وتطور حياة ريفية مستقلة . فبين النطاقات الغابية التي قد يستحيل الولوج إليها بحرا أو برا على حد سواء ، توجد مصبات الأنهار الساحلية التي توفر إمكانية الاتصال بالداخل عن طريق المواصلات النهرية وتوجد بها نقاط التزود بالماء التي يبحث عنها البحارة ، وتتوفر بالإضافة إلى ذلك على مواقع تضم أحزمة رملية تشكلت على حساب الطمي النهري ويمكن أن تقام على أرضها الصلبة القرى والواحات ، بينما يمكن استغلال الأراضي المغمورة بالمياه والواقعة في المناطق المنخفضة خلف الحزام الساحلي في زراعة الأرز . ففي هذه المراسي الواقعة عند مصب الأنهار تركز العنصر البشري الوافد ، وسرعان ما نتج عن زواج التجار العرب بنساء البلاد عنصر مولد إسلامي الثقافة ، وتكونت حول هذه المراسي بشكل طبيعي الأطر السياسية المتمثلة في وحدات إقليمية متواضعة ، حد من نموها الفراغ الذي كانت تشكله حولها النطاقات الغابية ، فتركز تأثيرها على الأحواض النهرية لأن شبكة المواصلات النهرية كانت الوسيلة الوحيدة لربط علاقات مع المناطق الداخلية . وتتجلى هذه الظاهرة في ماليزيا أكثر من غيرها حيث تشكلت سلطنات مستقلة في أطراف شبه الجزيرة التي لم تتوحد قط قبل الفترة البريطانية . على أن نموذج النواة السياسية البدائية هذا قد ميز كل السواحل الاستوائية الغابية . وقد عرفت سواحل إفريقيا الشرقية الصحراوية نفس التطور بسبب ندرة مصادر المياه . 4 . هذا ولا يمكن حصر تفسير الحجم الصغير للوحدات السياسية في العوامل الطبيعية التي تعرضنا لها . فالتجارة التي بقيت رغم كل شيء متواضعة لم تسمح بتراكم ثروات كبيرة أمكنها إحداث تحولات مادية عميقة . فقد تكدس القسم الأكبر من هذه الثروات في المدن ونجمت عنها تحولات