أقصى ما وصلت إليه غزوات الرسول صلى اللّه عليه وسلم نحو الشمال والتي رسمت صورة حروب الفتح الكبرى اللاحقة ، لا تتجاوز في الحقيقة مجال التأثير الطبيعي لدولة قائمة على مدن الحجاز وترمي إلى بسط سيطرتها على الطريق التجاري الكبير المتجه نحو الشمال . لهذا لا يمكننا الاكتفاء بالدور المشهود للنبي صلى اللّه عليه وسلم لتفسير توسع الإسلام خارج الجزيرة العربية .
في واقع الأمر لم يقتصر أصحاب النظرية " التأريخية " في تحليلهم لشخصية النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فبحثوا عن ما يفسر سلسلة " الصدف المتتابعة " المرتبطة بالفتح الإسلامي . وأكبر جهد ضمن هذا التوجه قام به بوسكيه
( G . H . Bousquet )
« 1 » الذي يعتبر أن الفتح العربي كان نتيجة سلسلة من العوامل الداخلية ( بعثة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، توحيد الجزيرة العربية على يديه ، وكذلك وجود زعماء حرب متميزين من بين العرب كان عمر في طليعتهم ) ، وعوامل خارجية ( حالة الضعف والوهن التي طبعت الإمبراطوريتين الكبريين ، البيزنطية والساسانية ، حيث لم تعد قوتهما تتعدى المظاهر ) . غير أن هذا التحليل ، الصحيح جزئيا ، لا ينطبق ، كما يقر بذلك بوسكيه نفسه ، سوى على أسباب نجاح محاولات الفتح العربي وليس على الآلية الأصلية التي كانت تدفع العرب إلى الفتح . ففيما يخص هذه الآلية ، يرى الكاتب نفسه أنها تتعلق بأسباب اقتصادية وعوامل دينية بحتة وذلك منذ الفترة الأولى لفتح الجزيرة العربية « 2 » ، كما عبر عن ذلك بوضوح القرآن الكريم بخصوص غزوة أحد :
. . . مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ . . .
( آل عمران ، الآية 152 ) . ومن هنا يجب التطرق كذلك في هذا الأمر لحقائق أخرى .
2 . من الضروري إذن التدقيق في آليات مختلفة ، طبيعية أو اجتماعية ، سبق ذكرها . يجب أولا التعرض لنظرية الحتمية المناخية التي تحصر الأزمة
هامش
( 1 )Bousquet , 1956 , a , b .( 2 )Bousquet , 1956 , b , p . 40 - 41 .