يحتلون براري منغوليا ، وشرعوا في الاستقرار في فترة ثانية ( 742 - 840 ) بفعل تزاوجهم مع النساء الصينيات من الأسر النبيلة ومزاولتهم التجارة مع الصين بواسطة الجمال ، إذ يفرض عليهم النشاط التجاري الإقامة بالمدينة لاستحالة تخزين البضائع تحت الخيام . وفي 758 أسست مدينة باي باليك
( Bay Balik )
أي " المدينة الغنية " . وعندما تحول الويغور
( Ouygour )
إلى حضر وتجار ومزارعي واحات ، فقدت البراري شيئا فشيئا أهميتها ، وانتهى الأمر باستيلاء الكرغيز
( Kighizes )
على يايلا أوتوكين
( Yayala d'Otu ? ken )
المقدس ، وسرعان ما انقطعت الصلات مع البراري التي أصبحت مجالا لقطاع الطرق ( حسب نص مؤرخ في سنة 983 ) . هذا ويندرج وضع مكة في الفترة التي سبقت الإسلام مباشرة ولو جزئيا ضمن هذا النوع من الدورات ، فقبيلة قريش المكية كانت من أصل بدوي لكنها عرفت الاستقرار منذ أكثر من قرن بحيث فقدت كل اعتبار سياسي لانتمائها الأصلي ، وحتى وإن لم تكن القطيعة تامة بينها وبين القبائل المجاورة ، فإن علاقات الحضر معها لتنظيم تجارة القوافل تعبر عن توازن معقد للمصالح والقوى . ففي مجال اجتماعي كهذا ، كانت بعثة النبي صلى اللّه عليه وسلم مؤهلة لأن تأخذ وجهة أخرى . هذا وليس هناك تناقض بين التفسير الاجتماعي والتفسير " الطبيعي " بشرط أن لا تعتبر التحولات المناخية سوى فرصا أو عوامل تحريك لآلية تحققت كل شروطها البشرية .
ج . التفرد الأنثروبولوجي - الجغرافي للإسلام : التحالف بين الحضر والبدو
إن المصير المدهش الذي قاد القبائل العربية ، خلال عشريات معدودة ، من صحاريها إلى ضفاف المحيط الأطلسي والهضبة الإيرانية ، يمكن اعتباره إحدى الأزمات الكبرى للبداوة العدوانية التي تطرقنا إليها . هذا والسؤال المطروح يتعلق بمدى إمكانية تطبيق هذه الآليات على الدين الإسلام الناشئ ؟
1 . لا يتسع هذا الكتاب للتطرق لشخصية النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فقد تطرق أصحاب التفسير التأريخي بإسهاب لمميزات شخصيته الخارقة للعادة ،