للتفسيرات السيكولوجية " الساذجة " التي ترى أن للمجتمع البدوي جنوحا كبيرا نحو شن الغارات « 1 » ، وميلا أساسيا إلى الروح العدوانية « 2 » ، مما يفسر حسب استنتاجاتها الفتوحات العربية ، هذا ولا ضير في الإقرار بهاته التفسيرات بشرط الوقوف على أسسها المادية . هذا وقد تنبه ابن خلدون لأهمية المجال الصحراوي كمنبع للتفوق البنيوي والمعنوي للبدو على الحضر ، والذي يرجعه لأسباب رئيسية ثلاثة : التغذية الطبيعية والتقشف في الحياة ؛ والهواء الصحي للصحراء ، بينما هواء المدن ملوث بخليط من الروائح الكريهة التي تسببها الكمية الكبيرة من الأوساخ ؛ وأخيرا التمرين المستمر للجسم ، لأن البدو يكونون دوما في حالة حركة ونشاط . ويضيف ابن خلدون أن الطب ضروري للشعوب الحضرية ولسكان المدن ، بينما لا جدوى منه في حال الشعوب البدوية « 3 » .
2 . هذا ولا تشذ الصحراء العربية الشامية عن هذا القانون العام ، فقد تقدم البدو على مر العصور باتجاه المناطق الحضرية من الهلال الخصيب ، حتى أن مثلا عربيا يقول أن اليمن مهد العرب والعراق قبرهم « 4 » ، حيث أن هذا التقدم من ثوابت تطور بلاد الرافدين « 5 » . ويعود ذكر توسع العرب باتجاه الشمال إلى القرن التاسع قبل الميلاد كما تثبته بعض الكتابات المسمارية « 6 » ، مما أدى ، في فترة سابقة للإسلام إلى تعريب واسع لبلاد الشام « 7 » . ومما عزز تقدم العرب موافقة هذا الاتجاه للهجرات الموسمية للبدو الذين كانوا يقضون
هامش
( 1 )Lammens , 1914 , p . 332 - 334 .( 2 )Schumpeter , 1918 - 19 .( 3 )Prole ? gome ? nes , trad . de Slane , I , 177 - 183 ; II , 386 - 91 .( 4 ) ذكره :von Wissmann , 1959 , p . 911 . .( 5 )Kupper , 1959 .( 6 )Grohmann , 1957 .( 7 )Dussaud , 1955 .