تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ أرض الإسلام — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
وضعه ضمن هذا المشهد العام . فما هي إذن الظواهر التاريخية التي حددت ملامح هذا المشهد ؟ وما هي البنيات السياسية التي يمكن أن تنشأ في هذه الظروف وما هو مآلها ؟ 1 . إن أهم معطى ذو طابع ديمغرافي يتمثل في الفائض البشري الدائم للمجتمع البدوي " الذي يولد بانتظام وباستمرار الرجال وكأنهم جراد " « 1 » . فالصحراء تفرز الحياة بشكل مدهش ، وتصب قسوة طبيعتها الفائض البشري في المناطق الصالحة للزراعة . وهنا تمكن آلية الضغط الديمغرافي المستمر في الحياة البدوية الصحية ، فمناخ الصحراء رغم قسوته يعتبر صحيا « 2 » ؛ كما أن توزيع البدو عبر مساحات شاسعة يمنحهم مناعة حقيقية في مواجهة الأوبئة التي كانت تطبع الحالة الصحية التقليدية للعالم الحضري « 3 » ، حيث هذا الفائض يكون مآله القبر إن وجد في المجال الحضري الذي يتميز بظروف صحية رديئة . كما أن المجتمعات البدوية التي تعرف جمودا ديمغرافيا تشكل حالات استثنائية ( مثل منغوليا في بداية القرن العشرين ) ، وعادة ما تتسبب في هذا الجمود بنية اجتماعية غير طبيعية ( العدد الكبير من الأفراد المنتمين لطبقة اللاما ، والعزوبة التي تفرضها حياة الأديرة والتي تمس ثلث الذكور على الأقل ) ، ولم يتحقق التوازن الديمغرافي بين البدو والحضر إلا في الفترة المعاصرة خلال الجيلين الأخيرين ، مع أفضلية للحضر الذين تنخفض بينهم وفيات الأطفال والنساء المنجبات ، مما ينتج عنه معدل توالد أكبر بالرغم من خصوبة أقل في المدن منها في الريف ( 4 مقابل 5 ) « 4 » . وبالرغم من التطورات الحاسمة في مجال الصحة التي عرفتها العشريات الأخيرة ، ظل تأثير الضغط الديمغرافي للبدو منتظما . وفي هذا المنظور يتوجب اليوم إعادة الاعتبار جزئيا
هامش
( 1 )Weulersse , 1949 , p . 64 .( 2 )Ibid .( 3 )Barth , 1961 , chap . IX , pp . 113 - 121 .( 4 )Muhsam , 1951 .
تاريخ أرض الإسلام — صفحة 29 | كزاوييه دو بلانهول / ناصر الدين سعيدوني