تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ أرض الإسلام — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
وجنوب مكة ، فإن الحجاز يكون إقليما مؤهلا طبيعيا لأن يكون نقطة التقاء ومجالا لتطور الحياة الحضرية « 1 » . 2 . من المؤكد أن الحياة الحضرية قديمة في هذه المنطقة ، فمدنها كانت دوما محطات عبر طرق القوافل الكبرى التي تتبع الأودية الطولية الداخلية وتحمل من جنوب الجزيرة العربية إلى البلاد المتوسطية المواد الثمينة من توابل وبخور . وقبيل ظهور الإسلام عرفت مدن الحجاز فجأة ازدهارا معتبرا ، وسلط عليها الضوء في مجال العلاقات التجارية في تلك الحقبة ، مما يجعل من الصعب عدم ربط هذا الازدهار ونشأة الإسلام كما سيتضح لاحقا . هذا وأن معوقتنا بالظروف التي أحاطت بهذا الازدهار التجاري في القرن السادس شهدت الدول الحضرية في جنوب الجزيرة العربية انحطاطا ، فقد خضعت للاحتلال الحبشي في 525 ثم الفارسي في 572 ، وفقدت استقلالها بعد تراجع امتد لفترة طويلة « 2 » تسببت فيه الضربات التي تلقتها من البدو ودول الحبشة ، ومن المحتمل أن تراجع النشاط البحري كان له دور في ذلك أيضا . وقد أعطى انحطاط جنوب الجزيرة العربية أهمية أكبر لدور الوساطة أو الحماية المأجورة للقوافل الذي كان يضطلع به عرب الوسط والشمال « 3 » ، الذين حولوا لفائدتهم التجارة البعيدة التي احتكرها طويلا عرب الجنوب والتي لم يكونوا يحصلون إلا على القليل من أرباحها . بهذا تزايدت ثروة مدن الحجاز بشكل مدهش ، فقد كان مجهزو القوافل في مكة عشية الهجرة النبوية يحققون أرباحا تتراوح نسبتها بين 50 و 100 « 4 » . في هذا الظرف بالذات الذي طبعه الثراء السريع وفي قلب هذه الواحة التي كانت تشهد طفرة تجارية ، بعث النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم .
هامش
( 1 )Gaudefroy - Desmombynes , 1957 , p . 15 - 16 ; Brunschvig , 1953 .( 2 )Von Wissmann , 1953 , 1957 .( 3 )Rodinson , 1957 .( 4 )Lammens , 1923 - 24 .