يوافق الظروف الطبيعية في السلاسل الشمالية حيث يتجمعون في المنحدر الداخلي الجاف لجبل ألبروز أو في هضاب طرفي ساحل بحر القزوين ، من موغان إلى أتراك ، على جانبي شريط ساحلي غابي ممتنع عليهم . هذا ويندر تواجد البدو في الصحاري الكبرى في وسط البلاد ، بينما يكثرون في مجالات أكثر جاذبية مثل سلاسل زاغروس رغم أن الطبيعة أهلتها لحياة الاستقرار ، فهنا لا زالت توجد أحلاف بدوية من أكبر الأحلاف البدوية على وجه الأرض ( بختياري ، كاشكاي ، خامسه ) ، بينما الغالبية العظمى من السكان الأكراد واللورسيين من جهة ، والبلوش والبشكارد من جهة أخرى ، لا زالت تتبع نمط عيش شبه بدوي على نطاق قد يتسع أو يضيق « 1 » . وفي أفغانستان ، يقضي الرحل الشتاء في المنخفضات الجافة بجنوب غرب البلاد وفي أودية الجنوب الشرقي أو في سهول شمال الهندوكوش ، وينتشرون في الصيف في جبال وسط أفغانستان الصالحة للزراعة « 2 » ، في الوقت الذي يرتاد فيه الكرغيز كل مرتفعات البامير . ولا يمكن تفسير هذا التوزيع الغريب إلا من خلال حتمية بسيطة موروثة من الماضي المثقل بحركات انتشار البداوة في العصر الوسيط والتي بلغت هنا حدا لا مثيل له .
4 . خلال حقبات زمنية طويلة جدا ، امتدت بالتحديد إلى فترة الغزوات الكبرى التركية المغولية في العصر الوسيط ، سادت في الأناضول وإيران ظروف عادية . وبعد التوسع الكبير في حياة الاستقرار الذي عرفه العصر الحجري المتأخر ، أثرت أولى غزوات " الرحل " خاصة على مناطق السهول المرتفعة الجافة التي كانت قد فقدت غطاءها الغابي وأصبحت مجالا للمراعي . هكذا تزامن التراجع الكبير للسكن المستقر في الأناضول نهاية العصر البرونزي القديم ( 300 ، 2 قبل الميلاد ) مع هجر السكان للمنطقة الأكثر
هامش
( 1 ) لأخذ فكرة شاملة عن البداوة الإيرانية ، يجب الرجوع إلى جرد القبائل الذي يتضمنه تصنيف :Field , 1939 .( 2 ) خريطة فرديناند( Ferdinand )ضمن كتاب :Humlum , 1959 , P . 278 .