في مقابل ذلك لم تكن حوصلة الإدارة التركية بالجزائر سلبية فقط ، رغم الطابع الشكلي لتحكم الأتراك في البلاد ، خاصة تنظيمها من خلال بايليكات ثلاث : بايليك التيطري ( المدية ) في الوسط ، بايليك قسنطينة في الشرق ، وبايليك معسكر في الغرب ، وتركزهم في مراسي مدن الجزائر وبجاية وعنابة ، وتفاديهم التوغل في دواخلها إلا من خلال حملات جمع الضرائب السنوية المعروفة باسم المحلات « 1 » ، واعتمادهم في الحكم على قبائل المخزن ، رغم كل هذا فقد نجح الأتراك في إيجاد حد أدنى من الهيكلة الإدارية للبلاد ، بواسطة شبكة مواصلات وحصون ، حيث وجدت حصون تركية ومراكز استراحة بسهول الشلف تجتمع حولها عادة الخيام . وكانت هناك حركة بريد منتظمة بين مدينة الجزائر ووهران وبين معسكر والمدية والمناطق الساحلية « 2 » . وكان هذا المجال الذي تهيمن عليه قبائل المخزن متحضرا نسبيا ، ويغطي أكبر جزء من سهول التل الغربي ، والتيطري ، والقسم الأكبر من الهضاب العليا القسنطينية ، كما تحقق نوع من التوازن بين الحياة البدوية والحياة الحضرية . وعكس الأسطورة التي رسخت شيئا فشيئا بعد الاستعمار الفرنسي ، الذي اعتبر لمدة طويلة أنها كانت فارغة من السكان ، فإن السهول الجزائرية كانت مستغلة بشكل جيد نسبيا على العموم . ورغم أن نمط العيش المهيمن هو النمط الشبه البدوي وأن السكن الغالب هو الخيمة ، إلا أن التنقل كان يتم على مسافات قصيرة جدا وعبر حقول مستغلة بانتظام ، وكانت مواطن الشتاء التي تعمر خلال فصل الخريف وسط الزراعات ، تهجر في فصل الربيع عندما تنمو المحاصيل ، لتنتقل بذلك الخيام إلى الأراضي التي سيتم استغلالها في السنة التالية في إطار عملية إراحة للتربة على مدى سنتين ، ولا يتم الرجوع إلى الأراضي التي هجرت إلا
هامش
أنظر كذلك وصف حملة باي معسكر في الجنوب سنةHattal , 1858 - 59 . : 1785( 1 )Yacono , 1955 , I , p . 202 - 204 , 231 .( 2 )Ibid , p . 212 - 213 .