نهاية القرن الخامس عشر ، إلا أن أهمها كانت آخرها التي حدثت بعد طرد الموريسكيين من إسبانيا سنة 1609 ، والتي انجر عنها استيطان ريفي في مناطق عدة . ففي المغرب الأقصى الذي لجأت إليه أعداد كبيرة من الأندلسيين ، لم يسمح لهم الوسط البشري باستيطان حقيقي للأرض ، واستقروا خاصة في المدن ، ولم يكن تأثيرهم محسوسا سوى على الحياة البحرية ، حيث شكلوا عنصرا مؤثرا في نشأة الجهاد البحري على السواحل الأطلسية للمغرب الأقصى التي كانت قليلة النشاط في هذا المجال . فمدينة سلا التي تأسست سنة 1610 بجانب الرباط على الضفة المقابلة من مصب وادي بورقراق تمثل نموذج تجمعات الصيادين ومجاهدي البحر ، وكل شيء يتعلق بالنشاط البحري فيها يرتبط بالتقاليد الأندلسية « 1 » . وفي الجزائر كذلك كانت المدن الجديدة تقع ضمن نطاق تأثير المدينة الكبيرة ، ففي طرفي متيجة ، تعتبر البليدة التي أسست سنة 1535 ، والقليعة التي يعود تاريخ إنشائها إلى سنة 1550 ، نقطتا ارتكاز أساسيتين لهيمنة مدينة الجزائر على السهل . وفي إقليم برقة ، أعاد الأندلسيون بناء مدينة درنة في القرن الخامس عشر لتكون المدينة الوحيدة الجديرة بالذكر إلى جانب مدينة بنغازي ، وقد نظم بها أحد الحكام المحليين ( البايات ) الري في القرن السابع عشر ، واستقر سكان طرابلسيون حول المركز الأندلسي « 2 » .
هذا وكان دور الأندلسيين حاسما في تونس ، حيث استقرت أعداد كبيرة منهم في المدن وخاصة مدينة تونس التي طوروا فيها بشكل ملحوظ بعض الحرف كصناعة الشاشية « 3 » ، كما ساهموا كثيرا في تعزيز صفوف الحضر في السواحل الموجودة آنذاك ، فإذا كان عددهم قليلا في ساحل تونس الوسطى ، فإنهم عززوا المراكز الحضرية القديمة في ساحل شرق رأس بون بتسهيل اتصالاتها بين بعضها البعض وتقوية تماسكها . من جهة
هامش
( 1 )Despois , 1935 b , p . 41 - 42 .( 2 )Lathem , 1957 , p . 242 - 45 ; Pennec , 1964 , p . 26 - 28 , 162 - 68 .( 3 )Lathem , 1957 ; Achenbach , p . 59 - 60 et carte p . 61 .