تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ أرض الإسلام — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
وزرعت فيه بذور الحياة العمرانية بقوة كبيرة . ولما اضطر خراب الهضاب وانحطاط مدينة القيروان الحفصيين إلى التحول إلى المنطقة الساحلية ، اختاروا مدينة تونس على ضفاف لسان شبه بحري ليقيموا فيها مركز قوتهم ( القرنان الثالث عشر والرابع عشر ) ويؤسسوا الدولة الحضرية الوحيدة شرق المغرب العربي والممتدة من طرابلس إلى بجاية وقسنطينة في مواجهة مملكتي تلمسان والمغرب الأقصى التي كانتا تهيمنان على أقصى الغرب « 1 » . وضمن هذا الإطار شكلت المدن والقرى الساحلية تجمعات مترابطة قادرة على مقاومة البدو بشكل منسق ، وكانت من أهم أشكال هذه المقاومة التي ارتسمت منذ القرن الثاني عشر في تونس الوسطى ، لجوء سكان الهضاب إلى المدن الساحلية واحتمائهم بقلاعها المحصنة الموروثة غالبا عن الرباطات القديمة ، وأهمها سوسة والمنستير والمهدية وصفاقس المعزولة في الجنوب . وأصبح هذا الثغر أو الليمس البحري الذي كان يواجه المسيحيين آخر خط تراجع للحياة الحضرية . ومن القرن الثالث عشر إلى القرن السادس عشر تأسست قرى تجمع فيها البدو الذين حطوا الرحال حول أضرحة المرابطين ، لتنشأ بذلك بين سوسة والمهدية منطقة ريفية حقيقية تغطيها بساتين الزيتون وحافظت على التقاليد القديمة لزراعة الأشجار المثمرة . وتجسد تميز هذه المنطقة في وجه الهضبة البدوية باعتماد تسمية الساحل - أي ساحل البحر « 2 » . هذا وقد تبلورت " سواحل " أخرى أقل قوة واتساعا في أماكن عديدة من الساحل التونسي ، مثل الساحل الذي ارتسمت ملامحه في إطار الدولة الحفصية شرق رأس بون ، والذي يؤكد استمرارية التواجد البشري فيه بقاء الأسماء القديمة للأماكن حيث تحولت كلوبيا
( Clupea )
إلى القليبية وكوروبيس
( Curubis )
إلى كربة ونيابوليس
( Neapolis )
إلى نابل . وتعزز هذا
هامش
( 1 )Despois , 1940 , p . 183 - 191 .( 2 )Trad . Epaulard , II , 389 .
تاريخ أرض الإسلام — صفحة 183 | كزاوييه دو بلانهول / ناصر الدين سعيدوني