حقيقية " « 1 » .
ظلت مدن القراصنة معزولة عن بعضها البعض ولم يكن لها تأثير يذكر على أقاليمها الداخلية ، بل لم يكن لها ضاحية تابعة لها ، إذ ينعدم الأمن بمجرد الابتعاد عن الأسوار ، كما هو حال سلا التي كانت حتى عشية الحرب العالمية الأولى تغلق أبوابها كل مساء لتحتمي خلف أسوارها « 2 » . كما أن كثافة المدن متغيرة بشكل كبير ، وقبل الهجرة الأندلسية كان عددها قليل على ساحل المغرب الأقصى ، في مواجهة مياه المحيط الصعبة والخطرة حيث كانت الحياة البحرية الأهلية متواضعة « 3 » . ولم توجد هذه المدن لقرون عديدة على سواحل برقة التي كانت الفريسة الأولى للقبائل الهلالية والتي تتميز عن غيرها بانتشار البداوة حتى الساحل ، وانطفأت فيها آخر المدن الساحلية بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر ، بينما انتشر صغار البدو وكبارهم في ربوع الجبل الأخضر ونصبوا خيامهم فوق أطلال سيرين
( Cyre ? ne )
( قورين أو الشحات ) التي تحولت أضرحتها إلى ملاجئ أو إسطبلات تحت الأرض « 4 » ، هذا وظل مركز صغير جدا قائما على أطلال برينيس
( Be ? re ? nice )
( بني غازي القديمة ) ، ولم تأسس بنغازي نهاية القرن الخامس عشر إلا بفضل هجرة قصدتها من طرابلس .
على العكس من ذلك كانت المدن من هذا النوع كثيرة العدد في تونس على الخصوص ، وكان تأثيرها على الأقاليم المحيطة بها كبيرا . وتوجد أسباب تاريخية واضحة تفسر هذه الميزة ، فالأمر يتعلق هنا ببلد حضري عريق ، ظلت فيه بصمة الاستعمار القديم قائمة على مدى أكثر من خمسة عشر قرنا ،
هامش
( 1 )Gautier , 1927 , p . 412 .( 2 )Boucau , 1924 .( 3 )Despois , 1935 b .( 4 )Brunschvig , 1940 - 47 .