والبلاد الطرابلسية الذي يتكون من المسطح الصحراوي وجبال مطماطة وجبل نفوسة يعتبر مثالا على ذلك ، فقد تشبث الحضر بشريط ضيق وساعدهم على المقاومة تميزهم الديني وانتماؤهم للمذهب الإباضي ، غير أن التعريب كان شاملا ولم يستثن سوى الجزء الغربي للجبل الطرابلسي أي جبل نفوسة فيما تعربت كل الجهات الشرقية ومناطق مطماطة . وامتزج السكان بشكل كبير ، واضطر عدد كبير من السكان إلى الهجرة في فترات الفوضى نحو البلاد التونسية وباقي بلاد المغرب . وتبين آثار القرى العديدة بجبل نفوسة النتائج المأسوية للغارات البدوية « 1 » ، وكذلك الأمر بالنسبة لتغير مواقع القرى ( عموديا غرب جبل نفوسة حيث تركزت القرى في مرتفعات الجبال ؛ وأفقيا في الشرق حيث تراجعت القرى إلى خط القمم الجبلية ) « 2 » . في مقابل ذلك لم يتغير نمط العيش القديم بشكل محسوس ، فقد ظل أهالي نفوسة ومطماطة يمارسون زراعة الأشجار المثمرة الجبلية ولا يقومون برعي مواشيهم إلا على مسافات قصيرة في السهول والهضاب المجاورة ( من فبراير إلى مايو ، في فترة الحليب ، بالنسبة للنفوسيين ) ، كما كانوا يكلفون رعاة أجانب برعي قطعانهم ( كما هو الحال بالنسبة لمطماطة ) « 3 » . ومما يؤكد قوة نمط عيشهم تحول الودارنة ، وهم عرب رحل يعيشون بين ثمانية وعشرة أشهر تحت الخيمة « 4 » ، تدريجيا واقترابهم شيئا فشيئا من النمط البشري لسكان الجبال الأكثر استقرارا . ولم
هامش
( 1 ) يقصد بها غارات قبائل البربر القاطنة بالصحراء والمعروفة بالجيتول وضغطها على مجال الزراعة في أودية جبال الأطلس الصحراوي ، خاصة منه الأوراس ، طلبا للمراعي وبحثا عن أماكن وجود المياه ، وقد ارتبطت هذه الحركة بعد الفتوحات الإسلامية لبلاد المغرب بتحرك زناتة نحو المناطق الشمالية والتي وجدت في زحف العشائر الهلالية في الغترة الإسلامية خير حليف لها في صراعها مع قبائل صنهاجة وأحلافها من القبائل المستقرة في المناطق الزراعية بالشمال ( المترجم ) .
( 2 )Despois , 1935 a .( 3 )Despois , 1935 a ; Prost , 1954 a et b .( 4 )Prost , 1954 a et b ; Clarke , 1959 .