التحول فيما بعد إلى الإسلام كان شاملا ، فيما انحصرت عملية التعريب أواسط القرن الحادي عشر في الجهات الشرقية التي عربتها بسرعة الأطر الحضرية الموروثة عن العهود القديمة ، بينما لم يتم في الغرب التعريب إلا في بعض المراكز العمرانية .
يبدو عموما أن الحياة البدوية لم تسد إلا في الجهات الأكثر جفافا بالهضاب العليا الداخلية ، أي الهضاب الجزائرية - المغربية ، بينما ظلت الحياة التقليدية لبربر الجبال من الفلاحين والرعاة ومراكز الحياة الحضرية قائمة . ولم يعد مركز ثقل السكان هو نفسه في الجهات التي خضعت للاستعمار الروماني في العهد القديم بعد أن استرجع أهالي الجبال دورهم ، وإن ظل نبض نمط العيش مختلفا والبلاد مأهولة ومستغلة بكثافة .
2 . خراب بلاد المغرب
أ . إشكالية التحولات المناخية :
إلى أي مدى تسبب تغير المناخ في الإخلال بالتوازن القديم الذي ظل قائما في مجمله خلال القرون الإسلامية الأولى ؟
ففي هذه البلاد التي تتقدم وتتراجع فيها الحياة الحضرية على نطاق واسع والتي وجد بها المستوطنون الفرنسيون في القرن التاسع عشر آثار الحضارة الرومانية في كل مكان ، كان من البديهي أن تطرح إشكالية المناخ قبل أي محاولة استيطان للمجالات التي استصلحت في العهود القديمة أو قبل أي تفكير في مصير البلاد .
1 . لأول وهلة تبدو لنا التعليلات القائمة على فكرة تدهور المناخ ، وخاصة تلك المعتمدة على نسبة التساقط بأنها مسألة تثير التساؤل أو الدهشة ، نذكر من بينها : انخفاض مستوى ماء بعض الينابيع أو الآبار القديمة ؛ كثافة الآثار بالقرب من ينابيع قليلة الماء أو في جهات تكاد تنعدم فيها الينابيع ؛