ج . الفترة الإسلامية الأولى واستمرارية الإرث القديم :
1 . استمر الازدهار القديم في المناطق التي ظلت تحميها خطوط الليمس الجديدة خلال فترة " السلم الوندالي " « 1 » ، حيث كانت حقول الحبوب والزيتون تغطي أرض إفريقيا ، كما أن أعمال التخريب البدوية التي شهدتها الفترة البيزنطية كانت محدودة مكانا وزمانا . ورغم فوضى أواسط القرن السادس ، تصف نصوص القرن السابع بلادا غنية وخصبة « 2 » .
خلال القرن السابع أعقبت الفتح العربي اضطرابات استمرت على مدى 150 عاما « 3 » ، ففي تونس الوسطى لجأ السكان إلى القرى الكبيرة في منطقة الساحل ، وسط غابات أشجار الزيتون ، كما تقلص عدد سكان الهضبة السفلى مقارنة بالفترة السابقة ، وتركز السكان في مناطق محددة بعد أن كانوا منتشرين في أنحائها .
هذا ولا يجب تضخيم هذه التحولات ، فقد حدثت نهضة حقيقية خاصة منذ القرن التاسع تحت حكم الأغالبة ( 800 - 909 ) ، والفاطميين ( 909 - 973 ) ، والزيريين ( 973 - أواسط القرن الحادي عشر ) . وظلت عدة مدن مزدهرة وإن زالت اليوم من الوجود . ووراء البساتين الساحلية ، كانت الهضبة السفلى منطقة كبرى لزراعة الحبوب « 4 » ، وتجسد ازدهارها القيروان ، المدينة المعسكر
هامش
( 1 )Ibid , p . 310 - 324 .( 2 )Despois , 1940 , p . 154 - 155 .( 3 ) يقصد به المؤلف ثورات الخوارج بالمغرب العربي أثناء فترة حكم ولاة القيروان على عهد الخلافة الأموية والتي لم يتسبب فيها الفتح الإسلامي ، وإنما كانت حركة مذهبية ذات بعد عقائدي ومظهر اجتماعي وأهداف سياسية أسفرت عن تغيير نظام الحكم وظهور كيانات سياسية خارجية أهمها الإمارة الرستمية بتاهرت التي عمقت العقيدة الإسلامية في المجتمعات القبلية البدوية وأدمجتها في الفضاء الإسلامي الذي كان قبلها يعتمد على نشاط الرعية ورعاية الحكام ويتركز في البيئات الحضرية بالمدن التي استقر بها الجند العربي ( المترجم ) .
( 4 )Ibid , p . 157 - 163 .