الضربة القاضية حدثت مع الغزو المغولي في القرن الثالث عشر وإن لم تكن سوى نهاية مطاف تطور استمر مدة طويلة .
وبالموازاة مع هذا التراجع ، تركز السكان في وادي الرافدين ببعض المدن الكبرى ، في سامراء في بغداد وخاصة التي عرفت نموا مذهلا عبر عن حضارة بعيدة عن الأرض ، وتعرض هذا النمو العمراني الاستثنائي بدوره للدمار المغولي ، واكتفت المدن في الفترة العثمانية كلها بحياة بطيئة ، رغم أن بغداد حافظت على مركز مهم ونمو متجانس ، سمح لها منذ نهاية القرن التاسع عشر بتوسع عمراني منظم « 1 » .
يمكن تعميم هذا الوصف على جزء كبير من بلاد المشرق مع خصوصيات إقليمية عديدة ، فقد شهد العهد الأموي عددا كبيرا من أشغال الري ، مثل قناة قيصرية السفلى ، وقناة يزيد بدمشق ، وعدة قنوات أخرى انطلاقا من نهر الفرات « 2 » ، وفي القرون الأولى للعهد العباسي حافظت الزراعة على ازدهارها ، وكانت الرقة في الصحراء إقامة مفضلة للحكام ، بفضل شبكة ري مصانة بشكل جيد ظلت قائمة حتى القرن الرابع عشر . وازدهرت زراعة القطن والزيتون في وادي خبور بمنطقة الجزيرة ، وعرف منخفض الحلة زراعة القطن والأرز بفضل نظام صرف جيد للمياه . وظل المشهد العام يتميز بالحيوية والرخاء إلى غاية نهاية القرن العاشر « 3 » ، الذي بدأت خلاله بوادر الانحطاط ، ففي نهاية هذا القرن انخفض دخل الشام وفلسطين إلى نصف ما كان عليه في بدايته « 4 » ، ويبدو أن الفترة الفرنجية أوقفت هذا الانحطاط في المنطقة الساحلية ، حيث اهتم الصليبيون بالقواعد الزراعية لمنطقة نفوذهم « 5 » ،
هامش
( 1 ) حول بغداد ، أنظر :Lebon , 1956 ; Bagdad ( Arabica ) , 1962 ; Marthelot , 1965 .( 2 )Reifenberg , 1955 , P . 99 .( 3 ) أنظر : المقدسي ، الترجمة الإنكليزية ، لندن ، 1886 .
( 4 )Le Strange , 1900 , P . 48 .( 5 )Reifenberg , 1955 , P . 102 - 103 .