تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
عنه ، يستضيء من رأيه بالشّهاب الثاقب ، ويحلّه من بساط تقريبه أعلى المراتب ، ويستوضح ببركته جميع المذاهب ، ويستظهر بصدق دفاعه على جهاد العدوّ الكاذب ، ويرى أنه عزّ دولته ، وسيف صولته ، وذخيرة فخره ، وسياج أمره . جدّد له هذا الرّتب تجديدا صيّر الغاية منها ابتداء ، واستأنف به إعلاء ، ولم يدّخر عنه حظوة ولا اعتناء . وحين صيّر اللّه إليه ملك المولى أبيه بمظاهرته ، وقلّده قلادة الملك بأصيل اجتهاده ، وحميد سعيه ، بعد أن سبق الألوف إلى الأخذ بثاره ، وعاجلت البطشة الكبرى يد ابتداره ، وأردى بنفسه الشّقي الذي سعى في تبديد شمل الإسلام وإطفاء أنواره ، على تعدّد الملك يومئذ وتوفر أنصاره ، فاستقرّ الملك في قراره ، وانسحب السّتر على محلّه وامتدّ ظل الحفظ على داره ، عرف وسيلة من المقام الذي قامه ، والوفاء الذي رفع أعلامه ، وألقى إليه في أهم الأمور بالمقاليد ، وألزمه ملازمة الحضور بمجلسه السّعيد ، وشديد الاغتباط على قربه مستنجحا منه بالرأي السّديد ، ومستندا من ودّه إلى الركن الشّديد ، وأقامه بهذه الجزيرة الأندلسية عماد قومه فهو فيهم يعسوب الكتيبة ووسطى العقد الفريد ، وفذلكة الحساب وبيت القصيد ، فدوّاره منهم للشريد ، مأوى الطّارف والتليد ، الكفيل بالحسنى والمزيد . يقف ببابه أمراؤهم ، وتنعقد في مجلسه آراؤهم ، ويركض خلفه كبراؤهم ، مجدّدا من ذلك ما عقده سلفه من تقديمه ، وأوجبه مزيّة حديثه وقديمه . فهو شيخ الغزاة على اختلاف قبائلهم ، وتشعّب وسائلهم ، تتفاضل درجات القبول عليهم بتعريفه ، وتشرف أقدارهم لديه بتشريفه ، وتثبت واجباتهم بتقديره ، وينالهم المزيد بتحقيقه للغناء منهم وتقريره ، فهو بعده ، أيّده اللّه ، قبلة آمالهم ، وميزان أعمالهم ، والأفق الذي يصوب من سحاب قطره غمام نوالهم ، واليد التي تستمنح عادة أطمعتهم وأموالهم . فليتولّ ذلك عظيم القدر ، منشرح الصدر ، حالّا من دائرة جمعهم محلّ القلب من الصدر ، متألّقا في هالتها تألّق البدر ، صادعا بينهم باللّغات الزّناتية التي تدل على الأصالة العريقة والنّجار الحرّ . وهو إن شاء اللّه الحسام الذي لا ينبه على الضريبة ، ولا يزيده حسنا جلب الحليّ العجيبة ، حتى يشكر اللّه والمسلمون اغتباط مقامه بمثله ، ويزري برّه به على من أسرّ برّه من قبله ، ويجني الملك ثمرة تقريبه من محلّه . ومن وقف على الظهير الكريم من الغزاة آساد الكفاح ، ومتقلدي السيوف ومعتلقي الرماح ، كماة الهيجاء وحماة البطاح ، حيث كانوا من موسطة أو ثغر ، ومن أقيم في رسم من الجهاد أو أمر ، أن يعلموا قدر هذه الغاية المشرقة ، واليد المطلقة ، والحظوة المتألّقه ، فتكون أيديهم فيما قلّدوه ردّا ليده ، وعزائمهم متوجّهة إلى مقصده ، فقصده ، فقدره فوق الأقدار ، وأمره الذي ناب أمره مقابل الابتدار ، على توالي الأيام وتعاقب الأعصار . وكتب في كذا . . .
الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 317 | لسان الدين ابن الخطيب