إليكم ، كتب اللّه لكم من حظوظ الخير أوفرها عددا ، وأقطعكم من خطط السّعد أبعدها مدا . وأتبعكم من كتائب العز أطولها يدا ، وخوّلكم من بسطة الملك ما لا يبيد أبدا ، وألهمكم من الصبر لما تقدّمونه فتجدونه غدا . من حمراء غرناطة ، حرسها اللّه ، وعندنا من الاعتداد في اللّه أسباب وثيقة ، وأنساب صدق في بحبوحة الخلوص عريقة ، ومن الثناء عليكم حدائق روض لا تحاكيها حديقة ، ومن المساهمة لكم في شتّى الأحوال مقاصد لا تلتبس منها طريقة ، ومن السّرور بما سناه اللّه لكم نعم بشكر اللّه عزّ وجلّ خليقة .
وإلى هذا ، أيّدكم اللّه بنصره ، وحكم لمقامكم بشدّ أزره ، وإعلاء أمره ، فإنّنا ورد علينا الخبر الذي قبض وبسط ، وجار وأقسط ، وبخس ووفى ، وأمرض وشفى ، وأضحى وظلّل ، وتجهّم وتهلّل ، وأمرّ وأحلى وأساء ثم أحسن ، وبشّر بعد ما أحزن ، خبر وفاة والدكم ، محلّ أبينا ، السلطان العظيم القدر ، الكبير الخطر ، قدّس اللّه طاهر تربته ، وكرّم لحده ، كما أحيا بكم معالم مجده . فيا له من سهم رمى أغراض القلوب فأثبتها ، وطرق مجتمعات الآمال فشتّتها . ونعى إلى المجد إنسان عينه وعين إنسانه ، وإلى الملك هيولى أركانه ، وإلى الدين ترجمة ديوانه ، وإلى الفضل عميد إيوانه .
حادث نبّه العيون من سنة غرورها ، وذكّر النفوس بهم أمورها . وأشرق المحاجر بماء دموعها ، وأضرم الجوانح بنار ولوعها . وبيّن أن سراب الآمال سراب ، وأنّ الذي فوق التّراب تراب . فمن تأمل الدنيا وطباعها ، والأيام وإسراعها ، والحوادث وقراعها ، بدا له الحقّ من المين ، واستغنى عن الأثر بالعين . فشأنها أن لا تفترّ عن سهم تسدّده إلى غرض ، وصحّة تعقبها بمرض ، وجوهر ترميه بعرض . وداء للموت قديم ، وقربه لا يبقي عليه أديم ، وكأسه يشربها موسر وعديم . دبّت إلى كسرى الفرس عقاربه ، فلم تمنعه أساورته ولا مرازبه . وقصر قيصر على حكمه فكدّرت مشاربه ، وأتبر سيف بن ذي يزن عمدانه فلم ترعه مضاربه ، وأردى تبّعا فلم يكن في أتباعه من يحاربه . لم تدافع عنهم الجنود المجنّدة ، ولا الصّفاح المهنّدة ، ولا الدّروع المحكمة ، ولا النّياب المعلمة . ولا الجياد الجرد المسوّمة ، ولا الرّماح المثقّفة المقومة . كلّ قدّم على ما قدّم . وجّد إلى ما أعدّ . جعلنا اللّه ممن يسّر لسفره زادا ، وقدّم بين يديه رباطا شافعا لديه وجهادا . ووثّر لنفسه بمناصحة اللّه والمؤمنين في أعلى عليين مهادا ، وطوّق المسلمين عدلا وفضلا وإمدادا . غير أن هذا الفاجىء الذي فجع ، ومنع القلوب أن تقرّ والعين أن تهجع ، غمرته البشرى ، وغلبته المسرّة الكبرى ، وعارضته من بقائكم الآية المحكمة الأخرى ، فاضمحلّ من بعد الرّسوخ ، وصار ليله في حكم المنسوخ .
ما كان من استخلاصكم الملك الذي أنتم أهله ، واحتيازكم المجد الذي أشرق بكم
الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 286
مساهمون: لسان الدين ابن الخطيب
ص٢٨٦