تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
وجرت بين هذا السلطان وبينه المخاطبات والمراسلات . وسفّرني « 1 » إليه لأول الأمر ، معزّيا « 2 » بأبيه ، ومهنّئا بما صار إليه من ملكه ، واستصحبت إليه كتابا من إنشائي ، نجليه بحول اللّه ، تجميما لمن يقف على هذه الأخبار ، وإن اقتحمتها ثبج الإكثار ، وهو : المقام الذي رسخت منه في مقامي الصّبر والشكر قدم ، فلا يغيره وجود لا يروعه عدم ، وصدقت منه في كتاب المجد عزمة لم يختلجها وهن ولا ندم ، حتى تصرفت بحكم معاليه ، أيام دهره ولياليه ، هو ولدان وهذه خدم . مقام محل أخينا الذي إن جاشت النوائب ، وسعها صدره ، أو عظمت المواهب ، ترفع عنها قدره ، أو أظلمت الكروب جلاها بدره . أو تألبت الخطوب هزمها صبره ، أو أظلّت سحائب النعم أسدرها حمد اللّه وشكره ، أو عرضت عقود الحمد في أسواق المجد أغلاها فجره ، أو راقت حلل الصنائع طرّزها ذكره ، أو طبّقت سيوف الناس أغمدها صفحه ، وسلّها قهره . السلطان الكذا أبقاه اللّه ضاحك السعد كلما بكت عين ، مجموع الشّمل كلما أزف بين ، واري الزّند إذا اقتضى دين ، محمي الذّمار بانفساح الأعمار كلما أغار على الأحياء حين . ولا زال يقيد منه شكر اللّه نعما ما في وعدها ليّ ولا في قولها مين ، ويلبس منها حللا تقواه في عواتقها زين . مساهمة في كل خطب غمّ ، أو فضل من اللّه عمّ ، ومقاسمة في كل ما ألمّ . وتهنئة بالملك الذي خلص وتمّ ، فلان . أما بعد حمد اللّه الذي جعل الصّبر في الحوادث حصنا منيعا ، والشكر يستدعي المزيد من النعم سريعا ، فمتى أعملت للصبر دعوة كان بها الأجر سميعا ، ومتى رفعت من الشكر رقعة كان المزيد عليها توقيعا ، والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي بوّأنا من السعادة جنابا مريعا ، وبين له حدود أوامره ونواهيه فطوبى لمن كان مطيعا ، وكان لنا في الدنيا هاديا ونجده في الآخرة شفيعا ، والرضا عن آله وصحبه الذين كانوا على العداة قيظا وللعفاة ربيعا ، فحلّوا من الاقتداء به فيما ساء وسرّ وأحلى وأمرّ مقاما رفيعا . وخفض عليهم مضاضة فقده ، مثابرتهم على ضمّ شمل المسلمين من بعده ، اقتداء بقوله سبحانه : واعتصموا بحبل اللّه جميعا . والدّعاء لمقامكم الأسمى بالنصر الذي يشكر منه الجياد والبيض الحداد صنيعا ، وتشرح منه ألسن الأقلام تهذيبا وتقريعا ، والصبر الذي زرافات الأجر قطيعا فقطيعا . فإنا كتبناه
هامش
( 1 ) في اللمحة : « وسفرت إليه عنه ، واتصلت أيامه إلى آخر مدته » . ( 2 ) من هنا حتى قوله : « فيمن عندنا ، فعينّا فلانا » ، ساقط في اللمحة البدرية .
الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 285 | لسان الدين ابن الخطيب