بثوب يقطعه ، فقام إليه الخياط ، فسأل ذلك الشخص الخياط عن عمر ، فقال له :
هو رجل من جيراني ، فقال الشيخ : متى عهدك بريّه ؟ فقال له : منذ أربعين يوما ، فقال له : أتعرف جبلا يقال له ببشتر « 1 » ؟ فقال : أنا ساكن عند أهله « 2 » ، فقال : أله حركة ؟ قال : لا . قال الشيخ : قد أذن ذلك ، ثم قال : تعرف فيما يجاوره رجلا يقال له عمر بن حفصون ؟ ففزع من قوله ، فأحدّ الشيخ النظر فيه وقال : يا منحوس ، تحارب الفقر بالإبرة ، ارجع إلى بلدك ، فأنت صاحب بني أمية ، وستملك ملكا عظيما ، فقام من فوره ، وأخذ خبزة « 3 » في كمّه ، ورجع إلى الأندلس ، فداخل الرجال ، حتى ضبط الجبل المذكور ، وانضوى إليه كل من يتوقّع التهمة على نفسه ، أو تشهره إلى الانتزاء بطبعه ، وضمّ إلى القلعة كل من كان حولها من العجم والمولّدين . ثم تملّك حصن أوطة وميجش ، ثم تملّك قمارش وأرجدونة . ثم اتسع نظره حتى تملّك كورة ريّه ، والخضراء ، وإلبيرة ، إلى بسطة ، وأبّدة ، وبيّاسة ، وقبرة ، إلى حصن بلي المطل على قرطبة ، وأشرق الخلافة بريقها ، وقطع الزمان من استكانة إلى عهد ، وكشف الوجه في ختر ، وتشمير الساعد عن حرب ، وحسر اللّثام عن أيد وبسطة ، وشدّ الحزام على جهد وصبر ، ونازله الخلائف والقواد ، فلم يحل بطائل ، وأصابته جراحات مثخنة في الوقائع وأصبحت فتنته سمر الرّكاب ، وحديث الرّفاق ، شدّة أسر ، وثقل وطأة ، وسعة ذرع ، واتّصال حبل ، وطول إملاء ، استغرق بها السنين ، وطوى الأعمار ، وأورث ذلك ولده بعده . وعند اللّه جزاء وحساب ، وإن امتدّ المآب ، لا إله إلّا هو .
دخوله غرناطة وإلبيرة :
قال ابن الفيّاض وغيره « 4 » : ودخل إلبيرة مرات ، عندما ثار بدعوته قاتل ، وانضوى إلى حصن منتشافر « 5 » ، من إقليم برجيلة قيس ، في نحو ستة آلاف ، وتغلّب على يحيى بن صقالة ، ثم نازله سوّار بن حمدون ، أمير العرب بغرناطة ، حتى غلبه وأخذه أسيرا . ثم أوقع بجعد ومن معه من أهل إلبيرة وقائع مستأصلة ، وتملّك بعدها
هامش
( 1 ) ببشتر : بالإسبانيةBobastro، وهو حصن منيع بالأندلس ، بينه وبين قرطبة ثمانون ميلا . الروض المعطار ( ص 79 ) .
( 2 ) في تاريخ افتتاح الأندلس : « عند أصله » .
( 3 ) في المصدر نفسه : « فأخذ خبزتين من الخباز وألقاهما في كمّه » .
( 4 ) قارن بالمقتبس بتحقيق العربي ( ص 78 - 79 ) .
( 5 ) في المقتبس بتحقيق العربي ( ص 78 ) : حصن منت شاقر ، وهو بالإسبانية :Monte sacro، وهو حصن يقع على الجبل الذي يطل على سهل غرناطة .