النّفس راحل ، واستعاده وروض الفكر ماحل ، فجاده لا جرم أنه بما حوى من حدق النّوى ، وروى من طرق الهوى ، وبكى الربيع المحيل ، وشكى من صابح الرّحيل ، هيّج لواعج الأشواق وأثارها ، وحرّك للنفس حوارها ، فحنّت ، واستوهبت العين مدارها فما ضنّت . فجاشت لوعة أسكنت ، وتلاشت سلوة عنت ، وكفّ دمع كفّ ، وثقل عذل حفّ ، واشتدّ الحنين ، وامتدّ الأنين ، وعلا النحيب ، وعرا الوجيب ، والتقى الصّبّ والحين ، وهدى المحب قدر ما جناه البين ، وطالما أعمل في احتمال المشاق عزيمه ، وشدّ لاجتياب الآفاق حيازيمه : [ المنسرح ]
وادع مثوى المقام معتزما * فلا « 1 » يرى للغرام ملتزما
وأزمع البين « 2 » عن أحبّته * والبين عن داره التي رئما
وما درى أنه بعزمته * قد « 3 » أشعل البين في الحشا ضرما
وهل جرى ذاك في تصوّره ؟ * فربما أحدث الهوى لمما
إلهي ، ألا نوى مشيئته « 4 » * شملا من العيش كان منتظما ؟
وعاذل قال لي يعنّتني * لا تبد فيما فعلته ندما
ما حيلة في يدي فأعملها * عدل من اللّه كلّ ما حكما
أما أنّ القلب لو فهم حقيقة البين قبل وقوعه ، وعلم قدر ما يشبّ من الرّوع في روعه ، لبالغ في اجتنابه ، واعتقد المعفي عنه من قبيل المعتنى به ، ولحا اللّه الأطماع ، فإنها تستدرج المرء وتغرّه ، وتغريه بما يسرّه ، ما زالت تقتل في الغارب والذّروة ، وتخيل بالترغيب والثّروة ، حتى أنأت عن الأحباب والحبايب ، ورمت بالغريب أقصى المغارب . فيا لوحشة ألوت بإيناسه ، وبالغربة أحلّت في غير وطنه وناسه ، ويا عجبا للأيام وإساءتها ، وقرب مسرّتها عن مساءتها ، كأنها لم تتحف بوصال ، ولم تسعف باتصال ، ولم تمتّع بشباب ، ولم تفتح لقضاء أوطار النفس كل باب : [ الخفيف ]
عجبا للزمان عقّ وعاقا * وعدمنا مسرّة ووفاقا
أين أيامه وأين ليال * كلآل تلألؤأ واتّساقا ؟
كم نعمنا بظلّها فكأنّا * مرقها للصّبا علينا رماقا
هامش
( 1 ) في الأصل : « لا يرى الغرام . . . » ، وكذا ينكسر الوزن .
( 2 ) في الأصل : « البائن » ، وكذا لا يستقيم الوزن ولا المعنى .
( 3 ) كلمة « قد » ساقطة في الأصل ، وقد أضفناها ليستقيم الوزن .
( 4 ) صدر هذا البيت مختل الوزن والمعنى .